النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

في يوم الحب، طهران تــُسيل الدماء في بانكوك

رابط مختصر
العدد 8357 الأحد 26 فبراير 2012 الموافق 4 ربيع الآخرة 1432

في الرابع عشر من فبراير، أي في اليوم الذي اعتاد فيه الكثيرون حول العالم أن يتبادلوا الزهور الحمراء، أبت طهران إلا وأن تهدي التايلانديين القنابل وبرك الدماء لينقلب حالهم من الفرح والحبور إلى الرعب والكآبة. فكان ذلك مصداقا لما قلناه وحذرنا منه في مقال سابق، على إثر القبض على أحد عناصر حزب «خدا» اللبناني (حسين عرتيس) وهو يهم بمغادرة مطار بانكوك بجواز سفره السويدي، من أن طهران وأتباعها من الميليشيات والحركات المذهبية بصدد ارتكاب أعمال إرهابية في تايلاند أو في غيرها من الدول الآسيوية البعيدة عن منطقة الشرق الأوسط ضد مصالح تابعة لإسرائيل أو الولايات المتحدة أو الغرب عموما، وذلك في حرب ناعمة طالما أن الحرب الحقيقية ما بين الطرفين مؤجلة إلى تاريخ لاحق. ولا يقلل من قيمة ما قلناه إن المتورطين الأربعة (اعتقل اثنان منهم، وفر ثالث إلى ماليزيا، وجار البحث عن رابع مع سيدة شوهدت بصحبتهم في منتجع «باتايا» تدعى نانسي) في تفجيرات بانكوك في يوم الحب هم من عناصر فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بحسب ما أكدته الشرطة التايلاندية، وليسوا من عناصر حزب «خدا» (الله). فالأول والثاني ليسا سوى وجهين لعملة واحدة رخيصة. وبطبيعة الحال فإن إيران كانت جاهزة كعادتها لنفي التهمة عن نفسها وإلقائها على القوى الصهيونية وأنظمة الاستكبار العالمي، من خلال المتحدث باسم خارجيتها «رامين مهمانبراست» الذي لكثرة ظهوره على الشاشات من أجل النفي صار ينافس معلميه وقادته، بل يذكرنا بوزير إعلام النظام العراقي السابق «محمد سعيد الصحاف». لقد نسي، أو تناسى السيد «مهمانبراست» عمدا، أن قادة نظامه وحرسه الثوري أعلنوا مرارا وتكرارا بأنهم سينتقمون من قتلة علمائهم النوويين بطرقهم الخاصة، تماما مثلما أعلن خادمهم اللبناني «حسن نصر الله» بأنه سينتقم من قتلة القائد العسكري لحزبه «الحاج» عماد مغنية، صاحب الباع الطويل في عمليات الاغتيال وخطف الطائرات في الثمانينات. من جهتها تواصل بانكوك التحقيقات مع من تم القبض عليهم (سعيد مرادي ومحمد هزاعي) وتواصل البحث عن الشخص الهارب (نيخافرد جواد)، وتتفاهم مع شريكتها الماليزية في منظومة آسيان من أجل تسليمها المتورط الفار إلى كوالالمبور (مسعود صداقت زاده)، وتحذر من احتمالات وقوع أعمال إرهابية أخرى على أراضيها المفتوحة المضيافة بيد الخلايا الإيرانية النائمة أوأنصارها من التايلانديين المسلمين الذين غـُسلت أدمغتهم، وتم تشييعهم في المراكز الثقافية الإيرانية في بانكوك. غير أن بانكوك الحريصة من جهة أخرى على قطاعها السياحي الكبير، بدت متحفظة – حتى الآن – على اتخاذ إجراءات مشددة جديدة حيال دخول الأجانب إلى أراضيها أو خروجهم منها. وطبقا لما يــُنشر في صفحات التعليقات في صحيفتي البلاد الكبيرتين «ذ نيشون» و»بانكوك بوست» هناك اتجاه شعبي قوي يطالب الحكومة للتفكير في تغيير أسلوبها الناعم مع القادمين إلى البلاد، ولا سيما حيال جنسيات معينة، وذلك بمعنى اشتراط حصول السائح على تأشيرة دخول مسبقة، وليس منحه شهرا كاملا للإقامة بمجرد وصوله إلى المطار. وبحسب أصحاب هذا الاتجاه، فإن أمن الوطن والمواطن يجب أن يعلو على ما تضخه السياحة من أموال في خزينة الاقتصاد. لقد استدعت بانكوك السفير الإيراني لديها لتطلب منه إبلاغ حكومته بالكف عن استخدام الأراضي التايلاندية في أعمال الاغتيال والانتقام من خصومها الشرق أوسطيين أو غيرهم، لكن إلى الآن لم يترشح عنها ما تنوي القيام به ضد طهران التي خرقت بعملها الإرهابي هذا معاهدة جنيف حول أصول التمثيل الدبلوماسي. والمعروف أن للبلدين علاقات قديمة تعود جذورها الأولى إلى أربعة قرون مضت، وأن شاه إيران الأخير كان يكن احتراما كبيرا للعاهل التايلاندي «بهوميبون أدونياديت» بسبب مكانة الأخير لدى شعبه ومواهبه المتعددة وطريقة إدارته النهضوية لبلده. ومما يمكن ذكره في سياق علاقات البلدين أيضا، أن نظام الملالي لم يلجأ إلى معاقبة بانكوك كما فعل مع دول كثيرة كانت تربطها علاقات قوية مع نظام الشاه، وإنما بنت على ما كان قائما، ولا سيما في زمن الحرب العراقية – الإيرانية حينما كانت طهران في أمس الحاجة إلى الصادرات التايلاندية المتنوعة وعلى رأسها الأرز. أما تايلاند فانتهزت الفرصة لتوثق علاقاتها التجارية والاستثمارية والنفطية والسياحية مع إيران، بدليل عدم توقف زيارات رجال الأعمال ومسؤولي غرف التجارة والصناعة في البلدين لبعضهما البعض. وعلى ضوء هذه العلاقة المتميزة صارت بانكوك مقصدا لعشرات الآلاف من الإيرانيين سنويا، كما صارت الأخيرة من ابرز المدن التي يستهدفها ملالي طهران لإقامة المراكز الثقافية ولنشر مذهبهم في أوساط مسلمي تايلاند. ولعل ما ساعد الإيرانيين على التغلغل في تايلاند، وفي أوساط مسلميها بصفة خاصة، هو التوتر القائم في العلاقات التايلاندية - السعودية منذ الثمانينات. فقد أتاح لهم غياب هذا القطب العربي والإسلامي الكبير عن الساحة التايلاندية أن ينصبوا أنفسهم كمناصرين للأقلية المسلمة في جنوب البلاد، ويكيفوا مطالب هؤلاء مع نغمة المظلومية والمحرومية المعروفة في خطابهم الديني. وجملة القول إن علاقات طهران وبانكوك لن تعود إلى سابق عهدها بعد الذي حدث. فظلال الشك وعدم الثقة ستخيم عليها، خصوصا وأن العامل الاقتصادي الذي لعب الدور الأهم في تمتين تلك العلاقات لم يعد قويا. فطهران قللت كثيرا من وارداتها من الأرز التايلاندي بسبب سياسات الاكتفاء الذاتي التي اتبعتها لجهة هذه السلعة، كما لم يعد بإمكانها التوسع في استيراد البضائع التايلاندية بسبب الحظر المفروض على مصرفها المركزي. وتايلاند، الحليفة الرئيسية لواشنطون في جنوب شرق آسيا، لا يمكنها أن تتمرد على العقوبات الاقتصادية الدولية والغربية والأمريكية المفروضة على طهران. ويتضح من عملية بانكوك الإرهابية، أن طهران تمارس تكتيكا ذكيا لإبعاد الشبهة عن نفسها، لكن مخططاتها سرعان ما تنفضح بسبب خطأ صغير غير متوقع. فرجالها دخلوا تايلاند من مطارات مختلفة وعبر دول عدة بوجوه حليقة وربطات عنق أنيقة (أي خلافا لصورة الإيراني التقليدية)، وسكنوا في فنادق متفرقة، بل وذهبوا إلى منتجعات سياحية معروفة مثل «بتايا» و»بوكيت» بصحبة بائعات الهوى كي يقنعوا الجميع بأنهم أناس مسالمون جاؤوا من أجل السياحة واللهو. كما أنهم لم يحضروا معهم ما يشكك في أهدافهم، وفضلوا اقتناء مواد التفجير (نترات الأمونيا) وصناعة القنابل (مثل سي -4) من السوق المحلية. وحينما جاءت لحظة الالتقاء وتعريف كل متآمر بمهامه، كانت شقة في طريق متفرع من شارع «سوكومفيت» الحيوي، وعلى بعد مسافة قصيرة من المركز الثقافي الإيراني تنتظرهم وهي مجهزة بكل ما يحتاجونه. أما من استأجر الشقة وأعدها، قبل أن يختفي عن الأنظار مغادرا تايلاند إلى طهران، فامرأة إيرانية تدعى «ليلى روحاني» (32عاما) دخلت بانكوك قبل الجميع، وحصلت على الإقامة المعتادة، ثم تقدمت للحصول على إقامة أطول بحجة رغبتها في دراسة اللغة التايلاندية. «إن الله يمهل ولا يهمل»، وهذا ما حدث للمتآمرين. فنتيجة لسوء تخزينهم للمواد المتفجرة أو غبائهم وحماسهم المفرط، حدث انفجار هائل في سكنهم، فحاولوا الهروب لكن أحدهم تعثر ولم يستطع اللحاق بصحبه، وحينما طاردته الشرطة رماهم بقنبلة كانت في حقيبته، لكن القنبلة اصطدمت بشجرة وارتدت عليه لتبتر ساقه وتمزق جزءا من الأخرى. وبقية القصة معروفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها