النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11925 الأربعاء 1 ديسمبر 2021 الموافق 26 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

في بنغلاديش.. البعض يريد إعادة عقارب الزمن

رابط مختصر
العدد 8350 الأحد 19 فبراير 2012 الموافق 27 ربيع الأول 1432

في 19 يناير المنصرم عقد قائد الجيش البنغلاديشي الجنرال مسعود رزاق مؤتمرا صحفيا مفاجئا في دكا ليعلن فيه خبر إحباط محاولة انقلابية ضد الحكومة المدنية الديمقراطية التي تقودها الشيخة «حسينة واجد»، قائلا إن المتورطين في المحاولة مجموعة من عناصر الجيش المتقاعدين تدعمهم عناصر مدنية تعيش في الخارج وتيارات دينية محلية متشددة. جوهر الخبر المذكور لم يفاجئ المراقبين كثيرا لأن بنغلاديش شهدت منذ انفصالها عن باكستان في كيان مستقل في 1971 سلسلة من الانقلابات العسكرية المتتالية على نحو ما سنفصله لاحقا. المفاجأة كانت في تفاصيل المحاولة الانقلابية المزعومة وأهدافها التي سرعان ما تبين انها من تخطيط عسكريين ومدنيين متشددين اصحاب روابط بحزب التحرير الإسلامي. هذا الحزب الذي نشأت نواته الأولى في القدس في 1953 بهدف إعادة دولة الخلافة الإسلامية، قبل أن يتمدد في أرجاء العالم الإسلامي بما في ذلك بنغلاديش التي افتتح الحزب فيها فرعا في عام 2000 من أجل تحشيد الجماعات الإسلامية المتشددة هناك حول فكرة خرافية تجاوزتها الأحداث وهي إعادة توحيد بنغلاديش مع باكستان في كيان سياسي واحد ممثل لجميع مسلمي شبه القارة الهندية، أي على النحو الذي أراده مؤسس باكستان محمد علي جناح وقت تقسيم الهند البريطانية في عام 1947، وعلى النحو الذي ظل قائما مذاك وحتى 1971. والمعلوم أن الحزب المذكور لم يتوقف قط عن تلك المحاولات، بل صار في السنوات الأخيرة يمارس العنف في سبيل تحقيق أهدافه، خصوصا مع تلقيه الدعمين المادي والمعنوي من الجماعات المتشددة المشابهة له في العالمين العربي والإسلامي، ولا سيما الباكستانية والأفغانية منها، الأمر الذي دفع السلطات البنغلاديشية إلى حظره رسميا في عام 2010، ومطاردة واعتقال أبرز رموزه بتهم الإرهاب والإخلال بالأمن والسلم الأهلي وتقويض أركان الدولة. وطبقا للأدلة التي حصلت عليها أجهزة المخابرات العسكرية البنغلاديشية فإن المحاولة الانقلابية المزعومة كانت بقيادة العقيد السابق في الجيش «إحسان يوسف» وزميله الميجور «ذاكر»، إضافة إلى زميلهما الهارب حاليا الميجور «سيد ضياء الحق»، وثري بنغلاديشي يقيم في هونغ كونغ ويدعى «إشراق حسين». والأخير بحسب الأدلة المتجمعة من الهواتف النقالة وأجهزة الحاسوب التابعة للمتآمرين كان على اتصال دائم بهم، وينتظر منهم أخبار نجاح المؤامرة كي يأتي إلى دكا ويتزعم البلاد. الغريب هنا هو شوق المتآمرين وأعوانهم من التيار الإسلامي المتشدد، كما تردد، إلى إلحاق بلادهم ذات المستقبل الواعد بدولة كباكستان تئن تحت وطأة مشاكل لاحصر لها ابتداء من معضلاتها الاقتصادية والمعيشية والأمنية وانتهاء بأزماتها السياسية وصراعات ساستها مع عسكرها وعلاقاتها المتذبذبة مع جيرانها والقوى العظمى. وهذه لعمري أول مرة نسمع فيها عن أناس يطمحون إلى إلحاق أنفسهم، ليس ببلد نموذجي مزدهر أملا في غد أكثر إشراقا وتقدما، وإنما ببلد منهار على مختلف الأصعدة. إن من يقرأ السجالات الدائرة في بنغلاديش عبر وسائل الإعلام الحديثة وأجهزة التواصل الاجتماعي سيجد أن الغالبية العظمى من مواطني هذه البلاد ضد تلك الفكرة العرجاء، ويستحضرون في نقاشاتهم الآلام التي تكبدها آباؤهم يوم أن كانوا مجرد مواطنين من الدرجة الثانية في الجناح الشرقي للدولة الباكستانية، قبل أن يدفع مئات الآلاف من البنغال أرواحهم ثمنا للانفصال عن الأخيرة واستردادا لكرامتهم المهدورة على يد إخوتهم في الدين، وهو الحدث التاريخي الذي أكد استحالة قيام الكيانات السياسية المعاصرة على الأساس الديني حصرا، بمثل ما أكد أن ديمومة الكيانات واستقرارها تتطلب عناصر أخرى مثل العدالة والمساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص بين المواطنين. وعودة إلى ما أجلنا الحديث عنه نقول إن لبنغلاديش تاريخ طويل في الانقلابات العسكرية التي خطفت منها فرص الاستقرار، وأحلام الازدهار والرخاء، في ظل نظام مدني تعددي. إذ لم تمض أربعة أعوام على تأسيسها على يد الشيخ مجيب الرحمن، الذي لم يجد بـُداً من الانتفاضة ضد ساسة باكستان المدنيين والعسكريين الذين لم يقروا بفوزه في انتخابات 1970 الرئاسية، وبخلوا عليه بزعامة البلاد بجناحيها، فقط لأنه من الإثنية البنغالية، وليس من إثنياتهم السندية أوالبنجابية أوالبشتونية أوالبلوشية، إلا ومجموعة من جنود جيشه يقتحمون منزله ويسفكون دمه ودماء كافة أفراد أسرته باستثناء ابنتيه «حسينة» و»ريحانة» اللتين تصادف وجودهما في ألمانيا وقتذاك. في أعقاب هذه الحادثة المأساوية المعروفة بـ «مجزرة أغسطس 1975» قادت البلاد ترويكا مكونة من عسكريين هما الميجور فاروق والميجور راشد، ومدني هو مشتاق أحمد. غير إن هؤلاء لم ينعموا بالسلطة طويلا. ففي 3 نوفمبر 1975 قاد أحد الضباط من أبطال الاستقلال وهو البريغادير «خالد مشرف بير أوتوم» بانقلاب مضاد أطاح بهم، لكن من دون محاكمتهم أو مساءلتهم عن قتل مؤسس البلاد. وقتها تردد أن «خالد مشرف» كان ضالعا بنفسه في مجزرة أغسطس، لذا لم يحاكم زملاءه خوفا من افتضاح أمره، كما إنه اكتفى بفرض الإقامة الجبرية على ضابط آخر من قادة الاستقلال هو الجنرال «ضياء الرحمن»، الذي قيل أنه لعب دورا محوريا في التخلص من «مجيب الرحمن» بسبب خلافاتهما إيديولوجية. بعد 3 أيام فقط من انقلاب «خالد مشرف» قامت مجموعة من عناصر الجيش بحركة تمرد ضد الأخير، فاقتحموا مقره وقتلوه زاعمين أنه ينفذ أجندة سياسية لصالح الهند. ثم قاموا بتحرير «ضياء الرحمن» من أسره المنزلي. وما بين السادس والسابع من نوفمبر 1975 حاول بعض المنتمين للحزب القومي الاشتراكي ممن أسسوا لأنفسهم نفوذا داخل مؤسسة الجيش في عهد «مجيب الرحمن»، ، أن ينتقموا من قتلة الأخير، فقادوا محاولة انقلابية فاشلة بقيادة «أبوطاهر» الذي حاكمه الجنرال «ضياء الرحمن» سرا وأعدمه لاحقا. بالإضافة إلى نفوذه العسكري، بنى «ضياء الرحمن» لنفسه نفوذا سياسيا من خلال تأسيس حزب خاص به سماه «حزب بنغلاديش الوطني» ليواجه به حزب «عوامي» الذي ورثته الشيخة «حسينة واجد» من والدها المغدور. وسرعان ما خلع الرجل زيه الكاكي لصالح بذلة مدنية أنيقة خاض بها كل الانتخابات التي جرت ما بين عامي 1977 و1982 والتي فاز بها ليصبح الحاكم المطلق للبلاد. لكنه عانى خلال سنوات حكمه الخمس من 21 انقلابا فاشلا قاد معظمه ضباط متذمرون من بطشه وديكتاتوريته ودعمه لنفوذ جماعات الإسلام السياسي داخل مؤسسة الجيش، إلى أن نجح الانقلاب العسكري الثاني والعشرين ضده في عام 1981 والذي لقي فيه حتفه مع كبار مساعديه على يد جنرال يـُدعى «عبدالمنصور»، قيل إنه كان متذمرا من نقل مقر عمله من مدينة «تشيتاغونغ» إلى «دكا» دون ترقية. هنا تدخل رئيس هيئة الأركان الجنرال «حسين محمد إيرشاد» ليطلب من الجيش سحق قتلة زعيم البلاد. وبنجاح جنوده في القبض على «عبدالمنصور» ثم قتله، اعتلى «إيرشاد» السلطة لتبدأ حقبة جديدة من الحكم العسكري الذي لم ينته إلا في 1990 بتخلي الأخير عن الحكم تحت ضغط الشارع والمتغيرات الإقليمية والدولية المصاحبة لانهيار الاتحاد السوفيتي. وهكذا يتبين أن بنغلاديش لم ترث من شريكتها الباكستانية السابقة سوى لعنة الانقلابات العسكرية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها