النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

كأس من ماء «نهر الجنون»!

رابط مختصر
العدد 8348 الجمعة 17 فبراير 2012 الموافق 25 ربيع الأول 1432

اختنقت من سحائب دخان القنابل المسيلة للدموع التي تصاعدت على امتداد الأسبوع الماضي من شاشات التليفزيون في أعقاب كارثة كرة القدم التي جرت في بورسعيد، وما اختلط بها من دم ودموع وتحطيم ضلوع، وما نتج عنها من مظاهرات واعتصامات وتحليلات، وبدا لي أن مسًا من الجنون قد أصابنا جميعا.. فتذكرت -بالمناسبة من دون مناسبة- مسرحية من فصل واحد كتبها توفيق الحكيم في ثلاثينيات القرن الماضي بعنوان «نهر الجنون». وبطل المسرحية ملك من ملوك العصور الغابرة.. رأى في الحلم ذات ليلة، النهر في بلاده بلون الفجر، وفجأة هبطت من السماء أفاع سوداء وفي أنيابها سم تسكبه في النهر، فيصبح في لون الليل، وهتف به من يقول «حذار أن تشرب بعد الآن من نهر الجنون». ومع أنه حذر الناس في بلاده، من الاقتراب من ماء النهر وأوصاهم أن يشربوا من نبيذ الكروم، إلا أنهم لم يستمعوا لنصحه، فلم يبق عازفا عن ماء النهر إلا هو ووزيره، الذي يدخل عليه -مع افتتاح الستار- في بهو الأعمدة بقصره، ليسوق إليه خبرا مريعا، هو أن قضاء الله وقع، فشربت الملكة ووصائفها وجواريها من نهر الجنون، فبدت عليهن اماراته، وأنه ما كاد يقبل عليها حتى استقبلته في روع، ونظرت إليه وصائفها نظرة الممرورات. ويعبر الملك عن حزنه العميق لذهاب عقل الملكة الراجح وانطفاء ذهنها الذي كان -كما قال- يلمع في سماء المملكة، ويطلب من وزيره أن يبحث لها عن دواء لدى رأس الأطباء، فيخبره أن رأس الرجل -الذي كان نابغة زمانه- قد طار شعاعًا مع رؤوس الذين شربوا من نهر الجنون، وأنه رآه بين يدي الملكة وقد تغيرت نظراته وحركاته.. يهز رأسه هزًا لا معنى له كلما التقت عيناه بعيني الوزير.. أما وقد أصيب رأس رئيس الأطباء بالجنون، فإن الملك لا يجد مفرا من أن يطلب من الوزير أن يلجأ إلى كبير الكهان، لعله يجد لديه علاجا لجنون الملكة فيجابهه بالحقيقة المرة، وهو أنه قد أصبح هو الآخر من الشاربين.. ويقول الملك «حتى كبير الكهان أصيب بالجنون وهو أحسن الناس رأيا وأبعدهم نظرا وأثبتهم إيمانا وأطهرهم قلبا وأدناهم إلى السماء.. إنها كارثة شاملة، ليس لها من نظير لا في التواريخ ولا في الأساطير، مملكة بأسرها قد أصابها الجنون دفعة واحدة، لم يبق بها ناعم بعقله إلا الملك والوزير». أما وقد اكتشف الملك أن السماء قد استثنته هو والوزير من قدر الجنون الذي أصاب الجميع وحبتهما -وحدهما- بنعمة العقل، فهي خليقة بأن تستجيب لدعائهما.. وهي الملجأ الأخير الذي يستطيعان اللجوء إليه، لذلك يقترح علي الوزير أن يذهبا إلى معبد القصر، ويرفعا أيديهما بالدعاء إلى السماء بأن تعيد للملكة والناس جميعا عقولهم. وما أن يتصرفا حتى تدخل الملكة ومعها رأس الأطباء وكبير الكهان، وهم يتحاورون عن الخطب الفادح والطامة الكبرى التي حلت بالمملكة فأفقدت الملك عقله، وأضاعت عقل الوزير.. وتسأل الملكة رأس الأطباء عن دواء يعيد إلى الاثنين عقليهما، فيعتذر لها بأن ما أصابهما لا يسعه علمه، ويدعوها ألا تيأس لأن هناك معجزات تهبط أحيانا من السماء هي فوق طب الأطباء. وتطلب من كبير الكهان أن يستنزل لها واحدة من تلك المعجزات فيعتذر لها بأن السماء ليست كالنخيل يستطيع الإنسان أن يستنزل ما شاء من ثمار، وتحذرهما الملكة من أن يتسرب الخبر إلى الناس، فيعرفون أن ملكهم صاحب الرأي الحازم والرأي العاقل قد أصيب بالجنون.. وحين يعرف كبير الكهان من الملكة أن زوجها يذكر النهر في فزع ويزعم أن ماءه مسموم، ولا يشرب إلا نبيذ الكروم، يرجح أن يكون الإدمان هو سبب جنونه، وينصحها بأن تمنع عنه الخمر، وتحمله على شرب ماء النهر. ويقترب الملك من البهو، فتأمرهما الملكة بالانصراف وتنفرد به فيدور بينهما حوار يتعامل خلاله كل منهما مع الآخر، كما لو كان هو المجنون، ويتوهم كل منهما في لحظة أن الآخر أدرك طبيعة مرضه، وتلك بداية الطريق للشفاء منه، إلى أن تنصح الملكة زوجها بأن يعود ليشرب من ماء النهر، فيتبدد الوهم.. ويعود كل منهما للتعامل مع الآخر باعتباره مجنونًا وتغادر الملكة البهو يائسة، ليدخل الوزير فيكمل فصول المأساة ويخطر الملك بأن عموم المجانين من أهل المدينة ورجال القصر يزعمون أنهم العقلاء، ويتهامسون بأن الملك والوزير هما المصابان بالجنون.. ويقول الملك: يخيل إليّ أن المجنون لا يشعر بأنه مجنون.. ويقول الوزير: صدقت.. ومهما يكن من أمر هؤلاء المجانين فإن الغلبة لهم.. بل إنهم وحدهم الذين يملكون الفصل بين العقل والجنون لأنهم هم البحر.. وما نحن الاثنان إلا حبتان من رمل. ويقترح الوزير على الملك أن يشربا من ماء النهر، ويقول له: لقد أزمعت أن أكون مجنونا مثل بقية الناس إذ ما قيمة العقل في هذه المملكة من المجانين.. ويدور بين الاثنين حوار يحذر فيه الوزير الملك من ثورة هؤلاء المجانين ضدهما، فيقول الملك: ولكني عاقل وهؤلاء الناس مجانين، فيرد عليه الوزير: هم أيضا يزعمون هذا الزعم.. ويتساءل الملك: هكذا يجترئون على الحق.. فيقول الوزير: الحق والعدل والفضيلة أصبحت ملكا لهؤلاء الناس أيضا.. ومن الخير لك أن تعيش مع الملكة والناس في تفاهم وصفاء ولو دفعت عقلك من أجل هذا ثمنا.. ويقنع الملك أن من الجنون ألا يختار الجنون.. ويطلب كأسا من ماء النهر. وكان ذلك ما اقتنعت به أنا أيضا.. وفعلته حين انتهيت من إعادة قراءة المسرحية ووجدت سحائب دخان القنابل المسيلة للدموع والدم وقذائفه الحجارة والتحليلات لاتزال تتصاعد من شاشات التليفزيون فقمت ابحث عن كأس من ماء النهر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها