النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11799 الأربعاء 28 يوليو 2021 الموافق 18 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:32AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:27PM
  • العشاء
    7:57PM

كتاب الايام

في البدء كانت «الجنادرية»..!

رابط مختصر
العدد 8340 الخميس 9 فبراير 2012 الموافق 17 ربيع الأول 1432

يعيش السعوديون اليوم إصلاحات اجتماعية وسياسية عديدة بدأت أفكاراً في «الجنادرية» تناقش حولها الجيل الأول بحدّة. حضرت تلك «النقاشات» الساخنة وكنت من المشاركين فيها. وللتعرف إلى ظاهرة «الجنادرية»، فإن مؤسسها وراعيها عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود -عندما كان رئيساً للحرس الوطني- قسمها قسمين: القسم التراثي الخاص بالمملكة العربية السعودية للحفاظ على «الهوية» والذي وجدت فيه دول الخليج الأخرى قدوة ونموذجاً للحفاظ على «هويتها» أيضاً في بداية عصر العولمة ومع تطوراته، ولا بد من التنويه هنا الى ان حمد بن عيسى آل خليفة، منذ أن كان ولياً للعهد إلى أن أصبح ملكاً للبحرين، كان شديد الحرص على إحياء «يوم التراث» بمتحف البحرين الوطني كل عام موجهاً لأن يركّز الاحتفال على جانب من جوانب التراث -كتربية الخيول أو صيد اللؤلؤ، إلخ- من منطلق «الإحياء التراثي» الذي أراده الملك عبدالله بن عبدالعزيز للسعودية وشقيقاتها دول الخليج العربية. أما القسم الثاني الذي قرره الملك عبدالله فهو الندوات الفكرية في الجنادرية التي ظلت مقتصرة على السعودية، ولكن أصغى إليها ليس مجتمعات الخليج العربي وإنما المجتمعات العربية قاطبة. جاءت ندوات «الجنادرية» مطلع الثمانينات في لحظة صعبة من تاريخ الثقافة العربية، وتاريخ العرب السياسي عامة. فقد تم إغلاق الحدود العربية في وجه المطبوعات الثقافية العربية التي كانت تسافر من الخليج إلى المحيط دون عوائق، وصار على المطبوعة الثقافية العربية أن تراعي الحساسيات السياسية في البلد الذي تريد دخوله. في تلك اللحظة الصعبة جاءت، برغبة من عبدالله بن عبدالعزيز ندوات «الجنادرية» الفكرية. وقد مثلّت ملتقى ثقافياً عاماً يلتقي فيه المثقفون العرب لقاءً تفاعلياً مثمراً، ضمن بيئة محافظة كان طرح «الأفكار الجديدة» بها مغامرة قد تخطئ وقد تصيب، ولكنها الرؤية «المستقبلية» الهادفة في غد آت للتغيير والتطوير، كما نراه اليوم. وكان «مهندس» تلك الندوات الفكرية -باشراف الملك عبدالله- ذلك المفكر الهادئ المرحوم عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري، العارف بخصوصيات المجتمع السعودي وبأدق دقائقه الذي فقدناه في زمن نحن أحوج ما نكون إليه، ولكن «دافع الإصلاح» الذي خلّفه في مجتمعه كان التعويض الحقيقي عن رحيله. استنّ التويجري، رحمه الله، عادة حميدة تتمثل في زيارة المدعوين المشاركين في ندوات «الجنادرية» في الفندق الذي يقيمون فيه قبل بدئها، وكان يفتح صدره معهم لأي سؤال أو حوار بشأنها، وأذكر أني قلت له ذات سنة أمام الحاضرين إن السعودية لم يتوفر لها -بعد- راصد موضوعي يقرر الحقيقة بشأنها، والذين يكتبون عنها إما أنهم مدفوعون بعامل الطمع، فينافقون، مبالغةً في المديح لينالوا ما يطمحون إليه، وإما أنهم مدفوعون بعامل الحقد فيسرفون في الهجوم والنقد، دون حق، لكي ينالوا، بهذا الاسلوب، ما يصبون إليه. هكذا نفتقد الباحث الموضوعي الذي يقرر الحقيقة دون إفراط أو تفريط. ومازالت هذه الظاهرة قائمة للأسف. وأذكر أن التويجري استمع إلى رأيي بهدوء، حريصاً على أن أتحدث بما أشاء، ثم انتقل إلى موضوع آخر مع ضيوفه الكثر. تراوحت موضوعات الندوات الفكرية في الجنادرية بين مختلف القضايا التي تشغل الانسان العربي في حياته الثقافية والسياسية والاجتماعية، كالمقابلة بين نهج العقل ونهج الإيمان في الاعتقاد الديني، وبين الاقتصاد الحر والاقتصاد الموجّه في حياة المجتمع، وبين الغرب والشرق في التوازن الدولي. وكان المتحاورون العرب القادمون من أقصى المغرب والمشرق يخوضون سجالات عنيفة حول هذه القضايا على أرض السعودية التي نعتبرها في بلدان الخليج العربية عمقنا الاستراتيجي و»بيت العرب الكبير». وعندما يتأمل المرء اليوم في الاصلاحات والتطويرات التي يجريها الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية في بلاده، ويعود إلى قضايا الندوات الفكرية في «الجنادرية» يجد أن هذه من تلك، وأن تلك النقاشات الفكرية لم تكن «ترفاً ثقافياً»، بل كانت تمهيداً لإصلاحات اجتماعية وسياسية واقتصادية كانت تدور، منذ ذلك الوقت، في أذهان أصحابها، وكما أشارت صحيفة أجنبية ليس معروفاً عنها انصافها لقضايا العرب، فإن «الصورة» في السعودية تتغيّر «الايكونومست: يناير 28 – فبراير 3 ، ص 31». وفي بلدان غنية، كالسعودية ودول الخليج لا يمثل الصراع الاقتصادي إلا جزءاً من الصورة، أما صراع الأجيال بين جيل قديم وآخر جديد، فلا بد أن يحسب حسابه أيضاً. من هنا فإن التغيير، بالدرجة الأولى، وقبل السياسة تغيير اجتماعي. فلا بد أن يتغير المجتمع أولاً. وبعدها يأتي التغيّر السياسي والاقتصادي. إلخ. والذين تابعوا ندوات «الجنادرية» الفكرية منذ بدايتها يدركون أن تلك الندوات الفكرية كان هدفها مخاطبة العقول، قبل كل شيء، تمهيداً للتغيير المنتظر. وقد تذكرّت السعودية يوم أمس الأربعاء 16 ربيع الأول 1433هـ الموافــق 8 فبراير 2012م، مهرجانها الوطني للتراث والثقافة لهذا العام، فعبدالله بن عبدالعزيز وفيُّ لما بدأه، وإن أمر بإلغاء «الأوبريت الغنائي» للمهرجان تضامناً ووقوفاً مع الأشقاء العرب في سوريا ومصر واليمن وليبيا وتونس، وحداداً على «العديد من الضحايا الأبرياء» الذين ذهبوا ويذهبون في الأحداث المؤسفة والمؤلمة. وفي الختام لا بد من تكرار الدعاء خلف مؤسس «الجنادرية» وراعيها: «اللهم اغفر للشهداء وارحمهم برحمتك وأزل الغمة عن بلادنا العربية والإسلامية، واحفظ أمنها واستقرارها، وادحر كيد أعدائها المتربصين بها». اللهم آمين، فأنت ولي ذلك والقادر عليه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها