النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

المنامة أكثر من عاصمة

رابط مختصر
العدد 8334 الجمعة 3 فبراير 2012 الموافق 11 ربيع الأول 1432

يرجع الفضل في ظهور فكرة اختيار وتتويج مدينة ما كل عام، كي تكون عاصمة للثقافة على مستوى دول الاتحاد الأوروبي، إلى وزيرة الثقافة اليونانية ميلينا ميركوري وبالطبع معها وزير الثقافة الفرنسي جاك لانغ وهو من التقته مصادفة في أحد المطارات الأوروبية وتهامست معه وأقنعته بفكرتها، وقد كان ذلك في بداية عام 1985. ومن بعد ذلك تعززت هذه الثقافة وتعمقت عالميتها وشاعت هاجسا لدى الأوروبيين لتصبح المدن الأوروبية التي ينتمون إليها في حالة سباق وتنافس للظفر بشرف اختيار مدنهم لأن تكون عواصم للثقافة كل بحسب ما يتيسر له من إمكانيات. لقد أرادت هذه الوزيرة المسكونة بالثقافة حد الشغف تأسيس مشروع أوروبي يُظهر تاريخها ويعتق حضارتها ويطور عمارتها ويسمو بفنها ويتمرغ في ألوانها ويحلق بعمارتها ويروج لصناعاتها ويحفز اهتمام الأجيال القادمة إلى تطويرها والحفاظ عليها من الضياع في متاهات العولمة وما تستولده من مستنسخات ومتشابهات لا لون لها ولا طعم ولا رائحة. وهذه هي الفكرة الرئيسة من مشروعها الريادي، وهي فكرة على ما تبدو عليه تستحق من الاحتفاء والتقدير ما تستحقه؛ لأن الشأن الثقافي لا يمكن أبدا أن يقل تقديره عن أي شأن آخر من الشؤون التي تسيّر المجتمعات مثل الشأن السياسي أو الشأن الاقتصادي أو الشأن الاجتماعي؛ لأنها ببساطة تمثل محورا من محاور التنمية الشاملة ينبغي له أن يأخذ حقه من العناية والاهتمام. وعلى غرار الاتحاد الأوروبي، وفي مسعى منها للمحافظة على ما للمجتمعات الأخرى من حضارة وثقافة طبقت منظمة اليونسكو منذ العام 1996 هذه الفكرة بناء على اقتراح من المجموعة العربية في اليونسكو. ومن جملة ما هدفت إليه هذه المبادرة دعم المبادرات الخلاقة في المجتمعات الإنسانية المختلفة وتنشيطها وتنمية الرصيد الثقافي والمخزون الفكري والحضاري المتنوع لديها، وذلك عبر إبراز القيمة الحضارية للمدينة المستضيفة لفعاليات تظاهرة عاصمة الثقافة وتنمية ما تقوم به من أدوار رئيسية في دعم الإبداع الفكري والثقافي الذي يسهم في تعميق الحوار والانفتاح على ثقافات الشعوب، وفهم خصائص تطورها ورفدها بعناصر البقاء والاستمرار، وتعزيز قيم التفاهم والتآخي والتسامح واحترام الخصوصيات الثقافية ونبذ كل أشكال التكاره والتباغض بين الشعوب ونشر السلام وتكريسه مبدءا للتعامل بين الشعوب كافة. وددت من عموم ما سقته في الأسطر السالفة أن أقول إنه عندما يتم اختيار مدينة ما في بلد ما عاصمة للثقافة فإن ذلك مدعاة لأن يتفجر لدى مواطن تلك البلاد الفخر والاعتزاز بأن هذه الأرض التي تحتضن تلك المدينة أضحت مزارا عالميا وقبلة ثقافية ينهل زائروها من مزونها، ويرتوون من معين حكمتها، وهذا بالضبط ما حدث لدينا نحن البحرينيين عندما تم اختيار عاصمتنا «المنامة» عاصمة للثقافة على مدى عام 2012. إنها سانحة تاريخية لا تتكرر دائما ينبغي أن تستثمرها البحرين لتعرض فيها تلاوين منتجها الثقافي على رصيف العالم وفي فاترينات فضاءاته ليطلع عليه الزوار ويدققوا في إضافات هذا البلد التي ترفد العطاء الإنساني العام بمنحوتات إبداعية شملت كل مجالات الحياة، ولتبقى أبدا معينا على تطوير سياحتها الثقافية. وأعتقد أن هذا هو الشعور الطبيعي الذي ينبغي أن يعتري أي مواطن محب لبلده ويحمل حسا بكيانية وجوده في عالم يسابق الزمن في إظهار قدرته على التكيف في مجتمع سريع التغير. ولكن الغريب هو أن هناك من يسعى لطمس وجه بلده تحت دعاوى شتى متمترسا وراء أوهام يصنعها بنفسه. فالبحرين لديها خزين حضاري وكنوز ثقافية حري بالشعب البحرين العظيم أن يفاخر بها وبما صنع من كد بتعبه وعرقه الصبيب وبما أبدعه من عناصر ثقافية ما كان لها أن تبلغ الحال الذي بلغته لو لا تعهده لها بحب وطنه وتقديسه لدوره في إعلاء صرح الحضارة البشرية العظيم. والسؤال الذي يمكننا أن نوجهه إلى من عمل على عرقلة مثل هذا الحدث العالمي من أن يكون حقيقة في البحرين ومني بالفشل والخذلان هو «هل هناك ما يمنع احتفاء الوطن بمكوناته كافة وبزواره من العالم بسبب أن هناك اختلافا سياسيا؟» أحسب أن مثل هذا التفكير يعيق حركة المجتمعات في أن تتحرك لبناء ذاتها، فمثل ذلك لا يحدث، على سبيل المثال، في أوروبا حيث تسير الحياة بمتناقضاتها اليومية فهناك اختلافات وهناك مصلحة وطنية عليا على الكل أن يحذر الإضرار بها، وهذا أيضا ما أثبتت البحرين على أنها قادرة على التعامل معه أسوة بما تفعل أوروبا. حقا إن عام 2012 يأتي ضاجا بالبشرى مكتنزا بالأمل حاملا معه عوامل الأمن والاستقرار بعد أن انقضى عام من أزمة عاصفة تسببت في إحداث شرخ اجتماعي عظيم، عام لا نرجو إلا أن يكون حقلا لغرس زروع الأمل بمستقبل تتعايش فيه مكونات المجتمع كما كانت تعيش وأحسن، إنه عام بشرى فبعد أن اختيرت «المنامة» عاصمة للثقافة فها هي تذرع الأفق وتسبح في فضاء عزتها وتُختار أيضا عاصمة للصحافة. وكان في هذا الاختيار شهادة عدل على ما قطعته مملكة البحرين من أشواط في درب إقامة دولة مدنية عمادها مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان وخاصة منها الحريات: حرية الصحافة وقداسة المعلومة والرأي. أفبعد هذا من تشكك وكذب ومزايدة على أمن الوطن ومكانته الدولية؟؟!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها