النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

أركان حرب حرية الإبداع الأدبي والفني

رابط مختصر
العدد 8320 الجمعة 20 يناير 2012 الموافق 26 صفر 1432

عندما لاح شبح الحرب العالمية الثانية في صيف عام 1939 لاحظ رجال المخابرات البريطانية في الشرق الأوسط أن وكلاء المحور ـ ألمانيا وإيطاليا ـ يجمعان من الأسواق العربية في القاهرة ودمشق ويافا والقدس وبيروت وبغداد، جميع اسطوانات نجوم الغناء العربي أيامها، وعلي رأسها اسطوانات أغاني وطقاطيق كوكب الشرق «أم كلثوم» وقصائد وأدوار مطرب الملوك والأمراء «محمد عبدالوهاب».. وبعد البحث والتحري اكتشفوا أن المحور يستعدون لحرب الدعاية، فنزلوا إلي الأسواق نفسها، ينافسون أعداءهم في اقتناء هذه الاسطوانات لإدراكهم ـ أن الإذاعة التي تفتتح برامجها بأغنية لأم كلثوم أو موال لعبدالوهاب، سوف تتجه إليها مؤشرات الراديو في كل أنحاء الوطن العربي، وبذلك تضمن استماعهم إلي برامج الدعاية التي تبثها وتأثرهم بها. وعندما اخترق القائد الألماني المارشال «روميل» الحدود المصرية ووصل ـ عام 1942 ـ إلي العلمين، وأصبح علي مبعدة قليلة من الإسكندرية، بدأ الجيش البريطاني يخطط للانسحاب من مصر إلي السودان، ولإجبار الملك فاروق وحكومته علي الرحيل معه لإقامة حكومة منفي في الخرطوم، وكان علي رأس ما قررته القيادة العسكرية البريطانية أن تأخذ معها ـ طوعًا أو كرها ـ «عبدالوهاب» و«أم كلثوم» لأنها كانت تخشي لو أنها بقيا في مصر أن تستغلهما الدعاية الألمانية لصالحها، إذ كان يكفي أن تعلن إذاعة القاهرة التي يحتلها الألمان أن «أم كلثوم» سوف تغني هذا المساء، لكي ينصت العالم العربي كله إلي ما تذيعه من أغاني وأدوار كوكب الشرق، وأخبار انتصارات جيش الرايخ الثالث. وبعد عشرة أعوام، وفي الشهور الأولي من ثورة 1952 قرر مجلس قيادة الثورة أن يعين في كل وزارة شخصية عسكرية، لتكون بمثابة ضابط اتصال بين الوزارة والمجلس، كانت تعرف باسم «مندوب القيادة» أو «أركان حرب الوزارة» وكان أول ما قرره «أركان حرب الإذاعة الملكية المصرية» هو وقف إذاعة الأغاني التي تشيد بالعصر البائد أو تتغزل في شخص الملك السابق فاروق.. وكان القرار الثاني هو وقف إذاعة أغاني «أم كلثوم» باعتبارها من فلول ذلك العهد البائد، وأبواقه الإعلامية، لأنها غنت للملك في عيد جلوسه أغنية «الليلة عيد.. ع الدنيا سعيد» ولأنه منحها لقب «صاحبة العصمة».. وما كاد الخبر يصل إلي الرئيس «عبدالناصر» حتي استدعي إليه أركان حرب الإذاعة، وعنفه علي ما فعل، وقال له إنه هو نفسه ـ ككل المصريين والعرب ـ من عشاق أغاني «أم كلثوم» وأن منع أغانيها بدعوي أنها تنتمي للعهد البائد يعني أن نهدم الهرم الأكبر، لأنه من آثار العهود البائدة، وأمره بإعادة بث أغاني أم كلثوم. وفي الأسبوع الماضي فوجئت أثناء مشاركتي في مناظرة تليفزيونية حول وثيقة حرية العقيدة والتعبير والإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي التي أعلنها فضيلة شيخ الأزهر، باعتراض بعض أطراف الحوار علي الوثيقة، لسبب شكلي لا صلة له بمضمونها هو أن من بين الموقعين عليها مفكرون يعتبرونهم من فلول العهد البائد، إذ سبق لهم أن التقوا الرئيس السابق، وتولوا مناصب في عهده.. وكان واضحا أن رفض الوثيقة لهذا السبب الشكلي ينطوي في ثناياه علي رفض لمضمونها الذي لم يتطرق إليه المعترضون لأنهم لا يملكون الشجاعة الكافية لرفض وثيقة تضمن حريات العقيدة والرأي والتعبير والإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي، فلم يجدوا وسيلة للهرب من هذا المأزق إلا بالمزايدة الثورية، ووصم بعض الموقعين عليها بأنهم من فلول النظام البائد. ساعتها تذكرت المنطق المضاد الذي استند إليه الرئيس عبدالناصر في رفض قرار أركان حرب الإذاعة بوقف إذاعة أغاني أم كلثوم، والذي لو لم يعترض عليه «عبدالناصر» لكان معني ذلك أن نحرق كل ما كتبه أمير الشعراء «أحمد شوقي بك» لأنه كتب قصائد يمدح فيها الخديو إسماعيل وأبنائه، وأن نمزق كل ما كتبه «أحمد لطفي السيد» لأنه كان فلاّ من فلول عهود الخديو عباس والسلطان حسين كامل والملك فؤاد والملك فاروق، ونبدد ما كتبه «د. محمد حسين هيكل باشا» لأنه كان قطبًا لحزب من أحزاب الفلول وهو حزب «الأحرار الدستوريين» ورئيسا لتحرير صحيفته ووزيرا للمعارف في إحدي وزاراته، وهو ما ينطبق أيضا علي كتابات «طه حسين» الذي كان من أنصار هذا الحزب، قبل أن ينتقل لحزب آخر من أحزاب الفلول، هو «حزب الوفد» ويتولي وزارة المعارف، في عهد بائد.. وألا نعيد طبع أعمال «عباس العقاد» لأنه كتب ـ قبل ثورة 23 يوليو بشهورـ مقالا بعنوان «ديمقراطية الزفاف الملكي»».. وأن نهدم السدّ العالي الذي اعتبره البعض بعد ثورة 15 مايو 1971 كارثة وطنية ارتكبها عهد ثورة يوليو البائد! وبذلك كله يحقق أركان حرب ثورة يناير هدف ضمان حرية العقيدة والرأي والتعبير والإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها