النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

بعيداً عن المعارضــة بالمعـــــنى البحريــــني!!

رابط مختصر
العدد 8313 الجمعة 13 يناير 2012 الموافق 19 صفر 1432

من غير الجائز ولا المقبول وصف أي دولة بأنها دولة مدنية، راعية للعقد الاجتماعي، ضامنة للحريات العامة والخاصة، إذا لم تكن الديمقراطية أحد مكونات شرعيتها، وبالمقابل فإن القول ذاته ينسحب على المواطنة، باعتبارها مقياسا للعلاقة بين المواطنين، إذا ما غابت عنها الديمقراطية. وإن ادعت أي دولة غير ذلك فهذا يعد ضربا من ضروب القصور في فهم معنى الدولة المدنية، ينبغي ترميمه من خلال إعادة النظر في هياكل هذه الدولة الدستورية والإدارية حفاظا على حالة السلم الاجتماعي والنجاح في التنمية الشاملة. إذن ثمة تعالق وشيج بين هذه العناصر الثلاثة، وهي الدولة المدنية والديمقراطية والمواطنة باعتبارها جميعا عصارة تضحيات مستخلصة من تجارب إنسانية سعت إلى إيجاد صيغ معقولة في إدارة الحكم. وهي أدوات حداثية مبتكرة تشكل حجر الزاوية في كل المطالبات التي ترفعها الشعوب في الساحات والميادين لخلق حالات من التعايش منسجمة في المجتمع الواحد وضبط الخلافات والاختلافات فيه. ولا يمكن أن تشتغل أي من هذه الأدوات بمعزل عن بعضها البعض. والأصل الحاكم لهذه العلاقة هو أن الدولة المدنية هي الحاضنة للأداتين الأخريين معا في بيئة نظيفة متعافية من ادعاء جهة ما احتكار الحقيقة كما يبدو الحال في «فاترينات» المزاد النضالي العربي، هذا المفتوح على مصراعيه في هذه الأيام. ويفترض أن الحديث عن احتكار الحقيقة والاستبداد قد صار شيئا من الماضي في الدولة المدنية التي يدعيها الكل ولكن للأسف لا أحد يثبت بالدليل القاطع، مسعاه إليها إلا بإلغاء الآخر صاحب الرأي المخالف، بيد أن هناك، في الدولة المدنية، إقرارا صريحا بضرورة تشارك كافة طبقات المجتمع وممثليه في مناقشة الشأن العام عبر مؤسساته المختلفة، ذلك أن أهم مؤشرات تراجع الاستبداد هو السماح بتعدد المؤسسات المدنية والأحزاب السياسية، وهذا بالضبط ما يميز مجتمعنا البحريني عن كثير من المجتمعات العربية، مع فارق أنه بدلا من الأحزاب السياسية توجد لدينا جمعيات سياسية وبدلا من أن تشتغل هذه الجمعيات بالسياسة، وتدفع باتجاه تقوية الدولة المدنية لدعم حضورها السياسي فيها، يلاحظ أن أكثرها مهموم بأمور دينية ومذهبية وكأنها تدفع إلى تأسيس دولة دينية، كما هو الحال مع الجمعيات السياسية الطائفية التي قادت أحداث فبراير وما تلاها من وقفات في محطات الألم التي صنعتها هذه الجمعيات ما يطرح السؤال الآتي «هل نثق بأطروحات هذه الجمعيات حول الدولة المدنية؟». إن الحديث عن العمل وفق المبادئ الديمقراطية في غياب تحقيق لمبادئ المواطنة ومن دون اعتبارها معيارا أساسيا بين المواطنين هو خنق للديمقراطية ووأد لها. كما إن الحديث عن الدولة المدنية من دون مؤسسات مجتمع مدني نشطة تبحث عن دور لها في المجتمع وتشارك في صنع قراره لهو مجرد إضفاء ديكور حداثي لا يغير من جوهر الدول ولا يضيف إليها شيئا. وفي كل الأحوال يكون حديثنا حول هذه المفاهيم وصدقيتها محض هراء إذا ما انتفى قيام كيان سياسي تشتغل فيه هذه المفاهيم وتسوده مجتمعة. إن الديمقراطية هي بحق الغطاء الحداثي للدولة المدنية، والعمل وفق مبادئها لهو إعلان رسمي عن قيام المعارضة وتخلقها، وهو تسليم بشرعية عملها في الفضاء العلني وفق ما تتيحه الأطر الدستورية، ذلك أن قيام أي معارضة شرعية، بأي معيار كان، لهو ضروري للنظام الرسمي القائم، وهو أيضا ضرورة مجتمعية لما تنطوي عليه من تنافس إيجابي قد يفضي إلى ابتكار البدائل التي تصب في مصلحة الجماهير، وبالتالي فإنها شرط من شروط الإبقاء على الدولة قوية متينة البنيان عصية حصينة تستعصي على القوى الخارجية المتربصة التي تسعى إلى استمالة فئات وشرائح توظفها وتخلق منها طابورا خامسا في الداخل تأتمر بأوامره للنيل من أمنه الوطني، وفي التاريخ من الحوادث يؤكد ذلك. وأحسب أن المواطن يستحضر في هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا سلوك بعض الجماعات التي تطلق على نفسها «معارضة» ويقيس هذا السلوك مع ما أسلفت ليرى بأم فكره ما قادته إليه معارضته التي ارتمت في أحضان «شركائه» المذهبيين في الخارج على حساب شركائه في الوطن. المعارضة السياسية تنم عن وجود تباين في وجهات النظر بين فرقاء سياسيين لتحقيق رؤى وطنية مشتركة لكنها تنصرف إلى تحقيق هذه الرؤى من مداخل مختلفة، وذلك في ظني هو منطق الأشياء. وتستمد السلطات الحاكمة في أي بلد قوتها من قوة معارضاتها كما تستمد المعارضة قوتها من قوة حكوماتها؛ فكلما قويت المعارضة قويت الدولة والعكس صحيح، شرط أن تكون المعارضة إيجابية ولذلك يتحتم عليها تطويع بعض لاءاتها الإيديولوجية ويقينياتها المذهبية لتنسجم مع روح العصر ومصلحة الوطن. والمعارضة التي نلحظها في الدول الديمقراطية هي سلوك جماعي عادة ما يكون حزبيا إزاء ظواهر سلوكية مقابلة لأعمال صادرة من جهات تنفيذية مسؤولة دستوريا عن تنفيذ برامج حكومية. وإذا كان هناك انحراف عن مبدأ تحقيق المصلحة العامة في سلوك بعض المسؤولين، وهذا وارد بسبب أن ماسكي السلطات التنفيذية في كل العالم هم من البشر يتعرضون مثل غيرهم للأخطاء وحتى للإغراء في ممارسة السلطة، فإن الدستور والقوانين المصاغة وفق معطيات هذا الدستور لهي كفيلة بتحديد طريقة التعامل مع مثل هذا الانحراف تحت مسميات شتى مثل الفساد الإداري أو الفساد المالي. وتأتي هنا بالضبط مسؤولية المعارضة عبر توظيف كافة أدواتها مثل البرلمان إذا كانت ممثلة فيه أو الإعلام بكل مكوناته، هذه المكونات التي أضحت خارقة لكل الحواجز وتصل بأريحية تامة إلى كل الناس. من المؤكد أن الأحداث التي ألمت بالبحرين وشهدها المواطنون على اختلاف انتماءاتهم قد أفرزت واقعا جديدا لن نختلف على أنه سيكون مغايرا لما قبله على كل صعيد. ولكن، في اعتقادي، إن الذي لم يتغير بحرينيا هو معنى المعارضة إذ إنه بقي كما كان. بقي ذلك الصوت المرتفع الذي طالب بإسقاط النظام يعيد ويكرر نياته الإقصائية، ويُظهر استبدادا غير مسبوق في رأيه، والحال أن المعارضة في كل بلدان العالم هي وجه وطني ناصع يعمل مع من يعمل لصالح الوطن والمواطنين، ولم يسبق أن كانت المعارضة طائفية ذات نزعة كما تجلت في أحداث البحرين الأخيرة. إذن المعارضة في أي مجتمع ديمقراطي ضرورة سياسية ينبغي أن تحكم توظيف أدواتها لتكون معبرة عن حق عن تطلعات الشعب بمختلف طبقاته الاجتماعية ومكوناته الدينية والعرقية والمذهبية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها