النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

متديّنة بلا حجاب

رابط مختصر
العدد 8303 الثلاثاء 3 يناير 2012 الموافق 9 صفر 1432

في ختام رواية «شيكاجو» لعلاء الأسواني يسأل بطل الرواية، وهو مصري مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، عن موجة التديّن التي اجتاحت مصر في السنوات الأخيرة، فتجيبه مصرية لم تبارح مصر: «ما ينتشر في مصر الآن ليس تديّناً حقيقياً، وإنما اكتئاب نفسي جماعي مصحوب بأعراض دينية». في البحرين، وخلال السنوات الأخيرة انتشرت بعض المظاهر التي يعدّها البعض تديّناً وخصوصاً في صفوف النساء، منها ارتداء الحجاب والالتزام بأداء العمرة سنوياً والامتناع عن حفّ الحواجب والانتهاء عن صبغ الأظافر والحرص على أداء صلاة القيام في رمضان وتناقل الرسائل الهاتفية التي تدعو إلى الاستعداد للموت وتجنّب عقاب الله وتحذّر من انتشار الذنوب والمعاصي وغيرها من المظاهر. ومن يقارن وضع النساء في البحرين في الستينات ووضع النساء مطلع القرن الحادي والعشرين يلاحظ بوناً شاسعاً في المظهر وفي الممارسات وفي الأفكار. الجماعات الدينية تعتبر هذه المظاهر تأكيداً إضافياً على أنّ المجتمع البحريني مجتمع محافظ بطبعه، وبرغم أنّه فارقَ هذه المحافظة خلال ستينيات القرن الماضي بالتحديد فإنه سرعان ما عاد إليها سريعاً. وهذه الجماعات تعدّ هذا الالتزام صحوة جديدة لمجتمعنا المسلم بعد غيبوبة طويلة كان الغرب المتسبّب بها والتغريبيون أيضاً الذين عاد أغلبهم -برأي الجماعات الدينية- من الجامعات الأوروبية والأمريكية والروسية بأفكار شاذّة بعيدة كلّ البعد عن عاداتنا وتقاليدنا في المجتمع، وهم إن أفلحوا في بادئ الأمر في مسعاهم إلا أنّ المجتمع قد صحا من غفوته وآب إلى رشده. أما «الحداثيون» فهم يعدّون هذه المظاهر شكلاً من أشكال النكوص والتخلّف والرجعية. ويرون أنّ السبب في ذلك يعود إلى أمرين اثنين. أولاً: فشل المشاريع التقدّمية والقومية سواء على مستوى الأحزاب أو الدول، وكان آخرها السقوط المريع للمشروع القومي العربي في العام 1967م، مما جعل الميدان متاحاً لصعود نجم الإسلاميين، فكانت الثورة الإيرانية في العام 1979م، وتبعها المدّ السلفي في ثمانينيات القرن الماضي الذي انطلق من الخليج العربي وانتشر في البلدان العربية والإسلامية إلى أن وصل إلى قلب أوروبا وأمريكا. وثانياً: النشاط الدعوي والإعلامي والحركي الكبير الذي تولته الجماعات الدينية لنشر أفكارها ومعتقداتها وتصوّراتها، والدعم المادّي الكبير الذي تتلقّاه مستغلّة بذلك العاطفة الدينية الموجودة عند رجال الأعمال والعائلات الثريّة، في مقابل النشاط الباهت والحركة البطيئة للحداثيين الذين اكتفوا بالانزواء في نواديهم وتجمّعاتهم وبنقد الجماعات الدينية ومخاطبة النخب الثقافية والترفّع عن عامّة الناس، مما ساهم في انتشار أفكار الدينيين وتراجع الفكر الحداثي والتنويري في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وبرأيي، فإنّ حجاب النساء في أي مجتمع لا يعكس تديّناً، كما أنّ نزع الحجاب لا يعني حداثة. وبالتالي فإنّ الحجاب والحواجب الغليظة والوجه الخالي من المكياج ما هي إلا مظاهر لا تعكس تديّن المجتمع، كما أنّ لبس التنورة القصيرة والبلوزات المفتوحة لا يعني بالضرورة تقدّماً. فما هي إلا مظاهر، وما يهمّ في مسألة التقدّم والتحضّر هو الجوهر، وهو الذي يجب أن يركّز عليه المتديّنون والحداثيون على حدّ سواء. فالحجاب والعباءة والحواجب والأظافر بحدّ ذاتها ليست عائقاً للمرأة أمام دورها المجتمعي المنتظر منها، ولكنّ الانشغال بهذه المسائل وإشغال الناس بها وكأنّها قضايا مصيرية مفصلية هو العائق، لأنّ طريق التنمية والتقدّم يتطلّب تكريس الوقت للعمل الجادّ ومناقشة القضايا المهمّة المساهمة في الإنتاج. فكم من النساء المحجّبات في الوطن العربي من لها من الإنتاج الغزير ما يفوق نظيراتها غير المحجّبات، وفي المقابل، هناك نساء غير محجّبات دافعن عن الإسلام وأهله كما لم يدافع عنها نظيراتهنّ المحجّبات. إنّ هذا التديّن المرتبط فقط بالمسائل المتعلّقة بالمظهر والشكل ليس تديّناً حقيقياً. فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». ولذلك فإنّ الالتزام بالشكليات والمظاهر هو تديّن شكلي لا يعكس الصورة الحقيقية للإسلام، ويساهم في إشغال الناس في نقاشات وحوارات ومعارك لا تسمن ولا تغني من جوع. أما السبب الرئيس في انتشار هذا النوع من التديّن هو انحسار الثقافة في بلداننا العربية والإسلامية. فالثقافة وحدها هي التي تجعل المرء يفرّق بين الغثّ والسمين، بين القضايا الجوهرية والمسائل الفرعية، بين الشكل والمضمون. وحين تغيب الثقافة الحقّة في أي مجتمع ينتشر التديّن الشكلي القائم على الالتزام بالمظاهر على حساب الجوهر. فالتديّن في صورته الحالية عندنا في البحرين ليس سببه الإحباط، ولكن سببه انحسار الثقافة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها