النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

فذلكة في أصول ظاهرة الفشْـر الثــوري

رابط مختصر
العدد 8299 الجمعة 30 ديسمبر 2011 الموافق 5 صفر 1432

بحثت في المعجم عن معني لفظ معَّار ـ الشائع في العامية المصرية، فاكتشفت أن «المعَار» ـ في العربية الفصحى ـ هو الحصان الذي يحيد براكبه عن الطريق، وبحثت عن معنى مرادفها الذي يتداوله المصريون، وهو «الفشّار» فاكتشفت أنها كلمة عربية فصيحة بمعنى الشخص كثير الكذب، فاطمأنت إلى أن «المعر» و«الفشر» من لغة أمتنا الواحدة ذات الرسالة الخالدة، وليست مستوردة ـ والعياذ بالله ـ من قواميس الأعاجم أو من لغات الفرنجة. و«المعر» في مصطلحات علم النفس، هو «الكذب الادعائي» و«المعّار» أو «الفشار» في العامية المصرية شخص يدمن تأليف الأكاذيب عن نفسه، ويذيعها بين الناس، على سبيل التفاخر، أو لأن لديه شعوراً بالنقص تجاههم، يدفعه للتظاهر أمامهم بأنه لا يقل عنهم شجاعة أو ثراء أو علماً أو ثورية.. على سبيل التعويض عن نقصه، وهو شائع بين الأطفال للتعويض عن إحساسهم بالنقص تجاه الكبار ويشيع بين الأنداد، حين يريد أحدهم أن يميز نفسه عن الآخرين، أو أن يدعي لنفسه ميزة توازن ما لديهم من مزايا.. وهو لوك شائع كذلك بين النصابين الذين يتخذون منه وسيلة لاستدراج ضحاياهم من السذج أو الطماعين، بانتحال صلة قرابة أو نسب بشخصية تحتل منصباً خطيراً تستطيع أن تقضي مصلحة أو تحل مشكلة لضحية.. أو بادعاء ملكية ميدان العتبة أو البنك الأهلي، واضطرارها ـ بسبب سفر عاجل- لبيعه بثمن بخس، تدفعه الضحية وهي تظن أنها نصبت على النصّاب.. واحتالت على المحتال. والناس تتعامل مع بعضها البعض على أساس أن هناك نسبة مشروعة من الفشر فيما يقولونه عن أنفسهم.. وفي أعقاب أول لقاء تعارف بينها وبين جيرانها الجدد في خان الخليلي، نبهت الست دولت ابنها أحمد أفندي عاكف ـ بطل رواية «خان الخليلي» لنجيب محفوظ ـ إلى أنها قدمت نفسها لهن باعتبارها ابنة لأسرة من أعيان المنصورة، في حين أنها أسرة من صغار المزارعين، وأن ابنها أحمد أفندي رئيس قسم بوزارة الأشغال بينما كان مجرد كاتب بالقلم، وأن زوجها كان رئيس إدارة بالوزارة نفسها قبل تقاعده في حين أنه أحيل إلى التقاعد بسبب إضاعته لعهدة مصلحية وهو موظف بالدرجة الثامنة. وحذرته من أن يخطئ حين يقدم نفسه وأسرته لأزواجهن فيذكر الحقيقة. وفي تبريرها لهذه الأكاذيب قالت إنها تعلم أن الجميع كن يفشرن فيما قلن عن أنفسهن وعن أزواجهن، وكن واثقات بأنها هي الأخرى تمعر عليهن فيما قالت عن نفسها وابنها وزوجها، وأنها لو كانت قد قالت الحقيقة، لما صدقنها، ولخصمن من رأس المال، وليس لما أضافته إليه من أرباح. وكنت تلميذاً في السنة الثالثة بمدرسة المبتديان الابتدائية، حين أوقعني الفشر في شرّ أعمالي، إذ لم يكن أخي الأكبر ـ الذي سبقني في الرحيل إلى القاهرة ليدرس في المدرسة ذاتها ـ يكف خلال إجازته التي كان يمضيها في القرية، عن رواية بطولاته الثورية في التصدي لطغيان المدرسين، وأنه يرفض أن يضربه أحدهم بالمسطرة على كفه إذا أخطأ في إجابة سؤال، أو قصّر في أداء واجباته المدرسية.. ويجابههم دائماً بأن هناك مادة في قانون التعليم، هي المادة 88 تحظر على المدرسين ضرب التلاميذ. ولم أكن أعرف المصدر الذي استمد منه أخي هذه المعلومات، ولعله التقطها من استماعه إلى مناقشة دارت بين طلبة الأسرة الكبار، ولكني صدقت فشره، الذي ظل يواصله بعد أن أصبحت تلميذاً معه في المدرسة نفسها، وتعرفت على المدرسين الذين لم يكن يمر يوماً دون أن يعود من المدرسة ليروي لي عمن أوقعه سوء حظه منهم، بين براثنه الثورية، فلقنه ـ أمام تلاميذ الفصل جميعهم ـ درساً في المادة 88 من قانون التعليم. وجاء اليوم الذي كان عليّ أن أتلقن درساً في عاقبة الفشر الثوري. وكانت الحصة هي حصة «سعيد أفندي» مدرس الاشغال، الذي ضبطني اتثاءب، فلفت نظري إلى عدم تكرار ذلك، ولكنني لم أهتم، إما لأنني لم أستطع أن أتحكم في رغبتي في التثاؤب، أو لأنني كنت في أعماقي أتمنى أن أدخل في مواجهة مع «سعيد أفندي» لأثبت أن في «السويداء ثوارا» وأن في الفصل تلميذاً يعرف المادة 88 من قانون التعليم، ويستطيع أن يستند إليها ليتحدى مدرس الاشغال الذي كان يسرف في استخدام مسطرته، ويثير الرعب في نفوس تلاميذ الفصل مع أنه ـ طبقاً لما سمعته من فشر أخي ومعره ـ كان يتصرف كالقطة مع طلاب السنة الرابعة وفي طليعتهم الأخ العزيز. وحدث ما كان لابد وأن يحدث: كررت التثاؤب.. وكرر «سعيد أفندي» تحذيره.. ولما كررته للمرّة الثالثة، أمرني بالتقدم نحوه، وبمد كفيّ لكي يضربني بالمسطرة، وبحماقة ثورية نادرة المثال، وصلف وغرور، أعلنت بأنني أرفض العقاب البدني. وعلى عكس كل النهايات التي كان أخي يختتم بها مروياته عن مغامراته الثورية ضد المدرسين، لم يتحول «سعيد أفندي» إلى قطة، ولم يشعر بالخوف من تهديداتي بأن أشكوه إلى وزير المعارف طه باشا حسين، ولم يطلب إلى برقة وحنان أن أعود إلى مكاني، بل استفزه ما قلته، فانهال عليّ ضرباً بالمسطرة على كل مكان يطوله من جسدي، وهو يصيح في غضب هيستيري: افتح إيدك يا ابن «.......». وككل ثوري مستجد، أصررت على موقفي، واعتبرت التراجع مسألة لا تليق بكرامتي، وشبكت ذراعي حول صدري، في إعلان صريح بأنني لن أفتح كفي للضرب حتي لو مت من الضرب! وحين التقيت أخي في فسحة الغداء، تأمل في وجهي المتورم من أثر الصفعات واللكمات، وعندما رويت له ما حدث.. قالي لي: أنت صدقت.. أنا كنت بافشر عليك! ومن يومها وأنا أبحث في القاموس ـ وفي الواقع ـ عن أصل لفظ فشار.. وعن أصول ظاهرة المعر الثوري!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها