النسخة الورقية
العدد 11089 الإثنين 19 أغسطس 2019 الموافق 18 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42AM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عن العلاقة بين السنة والشيعة

رابط مختصر
العدد 8297 الأربعاء 28 ديسمبر 2011 الموافق 3 صفر 1432

بداية عليّ أن أقول إن الحديث مدحاً وإطراءً في علاقة ما بين طرف وآخر مثلما يشير إلى ذلك عنوان المقالة أعلاه، عادةً ما يأتي بقصد إعطاء المثال أو أن يكون بهدف الاستشهاد والاستدلال، على أن هذه العلاقة أو تلك تُعد من العلاقات الجميلة التي ينبغي الاحتذاء بها والبناء عليها وجعلها أساسا لإرساء علاقات مستقبلية واعدة. أما إذا كان الحديث يدور قدحاً وذماً في علاقة ما قد تكون سيئة أو مضطربة، مثل تلك التي يدخلنا في ظلام نفقها حراك اختلط فيه السياسي بالمذهبي، وامتزج داخله الطائفي بالوطني، وتتزعم هذا الحراك جمعية «الوفاق»- وأجزم أنها مقودة ومنقادة إليه ولا تقوده - وهي التي تبدي عنتاً وعناداً تجاه الدولة والشعب بمختلف تياراته للأخذ بمرئياتها وأفكارها لمجرد ظن منها بأنها تمثل خلاص الوطن وحل قضاياه ضاربة عرض الحائط بالرأي الآخر وبالوفاق الوطني الشامل في سابقة استحواذ مذهبي طائفي مغلف بفعل سياسي لم تشهد المجتمعات المتعددة مثيلا له من قبل. فلذا نراها تحرض البسطاء لرفع وتيرة العنف لخلق أزمات وإثارة قلاقل ومشكلات تمطر بها البحرين عنوة في محاكاة فجة سمجة لمجريات مد «الربيع العربي» المشكوك أصلا في مدى احتضانه ما يعتمر قلب الإنسان العربي وما يكتنز عقله من طموحات الدولة المدنية الضامنة للحقوق والحريات، رغم شعور كثير من الدول التي يجتاحها هذا المد بالحاجة إليه، فإن ذلك حتما يشير إلى شيء ينبغي علينا اجتنابه والقفز على مسببات هذا الاضطراب للبحث عن مخرج من الأزمة. ولعلني هنا أجزم بأنني سأتفق تماما مع من سيقرأ عنوان هذا المقال، الذي ترددت كثيرا في أن أجهر باسم طرفي العلاقة فيه حتى قررت ذلك متجاوزا لحظة القراءة السريعة للعنوان على أمل أن يوقظ ذلك الإحساس لدى من افتقده بأن علاقاتنا البينية أصبحت على محك وطني بالغ الحساسية، وأن هذه العلاقة آخذة في التآكل والانحدار عن مستوى ما كانت عليه من علو ورقي، هذا المستوى الذي يرجع الفضل فيه إلى من أسس وراكم وشائج الود وأشاع قيم التسامح وجعلها ركيزة وقاعدة أساسية لهذه العلاقات. لقد ظلت هذه العلاقة في منأى عن الخضات والاهتزازات حتى برزت في المشهد أحزاب الإسلام السياسي، بفرعيها السني والشيعي وبأنواعها المتدرجة في التطرف والمتفاوتة في الاعتدال، لتعيث تهشيما وتخديشا لهذه الصورة الجميلة المتوارثة من جيل إلى جيل، وتُبقي نهارات البحرين حبيسة ظلام دامس لا تستشعر فيه إلا بما تتربص به كل طائفة للأخرى وتكيل إلى بعضها البعض مفردات مستلة من عمق التاريخ يستدل بها على صحة موقفها وقوة حجتها. والحال أن أطراف المجتمع الأخرى تبقى تتفرج عاجزة عن فعل شيء يوقف سيل الكراهية المتبادلة المنهمرة من عمق ذلك التاريخ المتورم مذهبيا، وهي التي ترى في هذا السلوك خروجا على شرعية التكوين الاجتماعي الأول وقذارة اجتماعية من أكثر القاذورات فتكا بالبيئة الاجتماعية يقوم بكنسها ودسها في مجتمعنا البحريني المتحاب النظامُ الإيراني، هذا النظام ألفنا تورطه في ممارسات طائفيّة مقيتة وبشعة في بلاده نصرة لمذهبية أرثودكسية يرى فيها كل ذي عقل أنها اللبنة الأساس المكونة لأولى أولويات أجندة النظام الإيراني الثيوقراطية السياسية. قلت ترددت كثيرا في كتابة اسم الطائفتين ضمن عنوان المقالة لإيماني الشديد بأن ما يتعرض له المجتمع من هجمة طائفية أحكم الإيرانيون تدارسها وأتقنوا حبكها إن هي إلا هجمة محكومة بزمن محدد وبظرف معين محدد، وسيعود المجتمع حتما إلى سابق عهده من التحاب والعيش المشترك الآمن. لن أدع هنا رغبة الحديث عن الطائفية تأخذني إلى جلد الذات وسأباشر في وصف ما وصلت إليه علاقاتنا الاجتماعية من حالة تردٍ تلام وسوف تلام عليها كل تيارات الإسلام السياسي التي أسست لما نحصد إنتاجه الآن من مرارات وهوان، وإن كان لأهل الدوار القسط الأكبر من اللوم والمساءلة المجتمعية الواجبة عن ذلك. نعم لن يأخذني الحديث إلى هذا السياق في هذه المقالة قبل أن أطل معكم سريعا من نافذة تاريخ مليئة زروعه بنبت إنساني أخضر فريد، وصار مثالا لعلاقات اجتماعية ينبغي أن تحتذي بها المجتمعات الإنسانية. البحرين بنيت بسواعد أبنائها قبل أن تظهر التيارات السياسية، ونحن البحرينيين يتزاوج بعضنا من بعض قبل ظهور تيارات الإسلام السياسي وفي ظلها ومن بعدها، فبيوتنا التي يتجاور فيها المذهبان، بل ويتعايشان في غرفة نوم واحدة، لا تعد ولا تحصى، وبات الرجل الشيعي خالا وعما لطفل سني وصار للطفل السني عم وخال من الطائفة الشيعية الكريمة. وهذا الانصهار له دلالاته الاجتماعية التي تشير إلى كم الحب والتسامح والانفتاح الذي يتمتع به شعب البحرين. باختصار لقد تحققت في البحرين منذ زمن بعيد أنساب عابرة للمذاهب متجاوزة الطائفة الواحدة إلى رحاب يتسع لكل الطوائف. كما أننا من كل المذاهب نتشارك في ملكية الشركات والمؤسسات المساهمة، ونسهم في إنشاء مؤسسات المجتمع المدني التي تدفع قدما بالحياة المدنية التي تحترم الحريات العامة والخاصة. البحرين عرفت على مدى الأزمان بهذا الانفتاح المجتمعي حد الانصهار. هذا ما وجدنا عليه آباءنا، فلم نحن، خاصة بعد أن قطع التعليم في بلادنا كل هذه الأشواط المديدة وتكاد الأمية فيه تساوي صفرا نشذ عن من سبقنا ونؤسس لهذه الثقافة التشطيرية؟ لا تبحثوا كثيرا عن الإجابة؛ إنها السياسة حين يركب متنها المذهبيون من تيارات الإسلام السياسي، فهي التي تصنع السدود وتقيم الموانع لتخريب هذه الصورة الاجتماعية والعبث بعناصرها الجميلة التي تأسست على قاعدة المحبة والتسامح والانفتاح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها