النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

أمّية المتعلّمين

رابط مختصر
العدد 8296 الثلاثاء 27 ديسمبر 2011 الموافق 2 صفر 1432

من لا يعرف القراءة والكتابة يُسمّى أميّاً. ومنذ عقود ودولنا العربية والإسلامية تحارب الأمية وتسعى للقضاء عليها من خلال مراكز محو الأمية والبرامج التوعوية التابعة لها، والتي تتولّى تشجيع التجمّعات القروية أو الريفية أو الصحراوية للانخراط في هذه المراكز. ولكن كيف لنا أن نقضي اليوم على «أمية المتعلّمين»؟ لقد صار من الطبيعي أن نجد دكتوراً في إدارة الأعمال جالساً وسط العوام ومتبنّياً أفكارهم السطحية. وصار من المعتاد جدّاً أن نجد برمجياً مبتكراً في عالم التكنولوجيا ولكنّه يقتنع بسهولة بخطابات الجهلة ويعتقد بأوهام رجال الدين وخرافات المفتين، ولا يجد أي تناقض بين طريق التكنولوجيا الذي اختاره مجالاً للعمل موصلاً إلى التقدّم والتحضّر وبين طريق الرجعية والموت الذي اختاره طريقاً للفوز بنعيمه المزعوم وجنّته المتخيّلة. وصار من الطبيعي أن نجد عدد الحاصلين على الشهادات العليا يزداد في بلداننا بينما تزداد مجتمعاتنا تخلّفاً وتمسّكاً بالأفكار والتصوّرات والاعتقادات التي تقودنا للخلف وتخرجنا دائماً خاسرين أمام الأمم الأخرى في معركة التقدّم والتحضّر. وإذا كدنا ننتهي من عملية محو الأمية في مجتمعاتنا فإنها تتهاوى اليوم في أمّية أكثر صعوبة وأشدّ قسوة وهي «أمّية المتعلّمين»، وكأننا مجتمعات مكتوب عليها التخلّف ومقدَّر لها أن تبقى في مؤخّرة الركب حتى لو امتلأت حيطان بيوتنا بالشهادات العليا. هناك أسباب كثيرة لـ»أمية المتعلّمين» هذه، منها ثقافتنا الدينية (وليس الدين طبعاً) القائمة على التخويف والترهيب والانقياد والتسليم والتبعية المطلقة والتقديس للأشخاص وتحييد الفكر وتقييد العقل، وهو ما يمنحنا القدرة على معرفة كيفية تشغيل أجهزتنا أكثر من معرفتنا لكيفية إعمال عقولنا، لأنّ إعمال العقل قد يقود المرء إلى البحث في المساحات المحتكرة لرجال الدين، أو قد يقوده إلى استنكار المألوف ومراجعة المتعارف عليه ومناقشة المقدّس والثورة على الجمود. وبذلك فإنّ المتعلّم لدينا أو حتى الحاصل على الشهادات العليا ليس مسموحاً له الخوض في هذه المسائل التي قد تقود – بحسب رأي رجال الدين - إلى الشرك أو الكفر أو التنكّر للسابقين الأولين، وما عليه سوى ترك هذه المسائل لرجال الدين الذين يقتات كثير منهم على تخلّف الناس ورجعية المجتمعات. ومن أهمّ الأسباب أيضاً الابتعاد عن دراسة العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والفكر وعدم التشجيع على الالتحاق بها في الجامعات، وحثّ الطلبة فقط على الالتحاق بتخصصات إدارة الأعمال والمحاسبة والتسويق وعلوم الكمبيوتر والهندسة والفيزياء، وهو ما خلق فراغاً كبيراً في التأسيس الحضاري لمجتمعاتنا والتكوين الثقافي للأفراد، وولّد خرّيجين متمكّنين من التخصصات التقنية ولكنّهم لا يملكون أيّ قدر من الثقافة أو المنطق. وفي الأزمة الأخيرة التي مرّت بالبلاد اكتشفنا ذلك جلياً. كنا نستغرب من الأكاديميين المبرّزين المنقادين لرجال الدين، وكنا نغفر أفواهنا حين نرى أصحاب شهادات عليا يتبنّون الدعوات الطائفية. وكان غياب المنطق واضحاً في خطابات المتعلّمين، وكان الدكاترة المتخرّجون من أكبر الجامعات الغربية يسردون الوقائع بمنظور العوام، ولم يكن من المتعلّمين والمتفوقين في مجالات الطبّ والهندسة والفيزياء والتكنولوجيا من يجرؤ على انتقاد السلوك السياسي لخطيب المسجد ظنّاً منهم أنّ هذا الخطيب لا ينطق عن الهوى وأنّه يستلهم نهجه السياسي من الله سبحانه وتعالى، وهذا ما زاد من أزمتنا تعقيداً. ولا غرابة والأمر كذلك أن ينتشر التديّن، ولكنّه ليس بذلك التديّن المهذّب للأخلاق والمطهّر للنفس من الشرور والحقد والحسد، ولكنّه ذاك التديّن الذي يحوّل الإنسان بكلّ قدراته وطاقاته إلى مجرّد رقم يستخدمه رجل الدين في المكان والزمان اللذين يحدّدهما وبالشكل الذي يخدم أهدافه الدنيوية ويشبع شهوة السلطة لديه. ولم يعد هذا النوع من التديّن قِصراً على العوام بل أصبحت له امتداداته في أوساط المتعلّمين وأصحاب الشهادات العليا والمناصب الرفيعة في الشركات والمؤسسات الكبرى، ولم يكن مستغرباً أن تتحوّل نقاباتنا المهنية إلى حاضنات لخطاب الطائفيين الموتورين في ظلّ هذا التديّن الذي يسلب من المرء عقله وفكره وإرادته. أين يكمن الحلّ إذن؟ هل نحتاج إلى برامج لمحو أميّة المتعلّمين؟ هل نحتاج إلى مراكز جادّة للبحث العلمي لإجراء بحوث لمعرفة مكامن الداء وإيجاد المخارج لأزمة المتعلّمين عندنا؟ هل نحتاج لإعادة الاعتبار لدراسات العلوم الإنسانية في المدارس والجامعات كما هو الحال في الدول المتقدّمة التي لم تتأسس نهضتها الحضارية ولم تحقق إنجازاتها التكنولوجية والعلمية إلا بفضل تأسيس فكري وثقافي وفلسفي راسخ؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها