النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

كيف رضيتم لأنفسكم؟!

رابط مختصر
العدد 8295 الإثنين 26 ديسمبر 2011 الموافق 1 صفر 1432

في أحدى فصول مذكرات المناضل عبدالرحمن الباكر»من البحرين إلى المنفى سانت هيلانة» نجد أن الصورة التي تحدث عنها من الاصطفاف الطائفي والتحشيد المذهبي هي اليوم ماثلة أمام الجميع، فبعد ستين عاماً من أول صدام طائفي بين أبناء الوطن الواحد، سنة وشيعة، يعود المشهد مرة أخرى بعد أن تم طرح مشروع تغير هوية أبناء المنطقة، فالباكر حينما شخص الحالة البحرينية حينها رأى أن داء «الانقسام الطائفي» الذي ضرب المجتمع البحريني كان أبشع من وباء الكوليرا والتفوئيد والجدري، والأقسى والأبشع هو حينما تلوثت عقول المثقفين والوطنيين وقادة التيارات السياسية بتلك السموم حتى ألجمت ألسنتهم عن قول كلمة الحق المأمورين بها: «وإذا قلتم فاعدلوا) [الأنعام:152]!. فقد أوضح الباكر بأن أسباب ذلك الانقسام والتشرذم الطائفي كانت بسبب الممارسات العنفية في الشارع، وشعارات الحقد والكراهية المقتبسة من صفحات التاريخ المأزوم، وسكوت وتغاضي وانزواء الكثير من القيادات السياسية والدينية، وهروبهم عن تحمل المسؤولية التاريخية بعد أن رهنوا إراداتهم لدى مرجعيات خارجية، وقوى إقليمية، فقد شهدت الساحة حينها انقلاب الكثير من القيادات على قيمها ومبادئها، واستسلامها لدعاة العنف والتطرف، ومع ذاك نجد أن الباكر استطاع مع رفاق دربه إلى احتواء الأزمة وإيقاف النزيف الطائفي الذي قسم المجتمع البحريني حينها!. الجميع يعلم بأن هذا الوطن يحتوي على مكونات مختلفة عقائدياً ومذهبياً وفكرياً وثقافياً، وهذا الاختلاف لم يكن يوماً سبباً للصراع والصدام، بل كان دليلاً على التسامح الديني والتعايش الاجتماعي الذي ميز أبناء هذا الوطن، ولم يتحول ذلك التنوع إلى مرحلة الاصطفاف والتحشيد إلا حينما ظهرت مشاريع إعادة رسم المنطقة التي تحدثت عنها بعض الدوائر الاستخباراتية في عام2003م، ولعل من أبرز وأبشع المشاريع هي التي تم طرحها في دوار مجلس التعاون حينما رفعت شعارات الخراب والدمار، التسقيط والموت والترحيل، فالفتنة التي نثرها دعاة العنف والتطرف مستغلين «الربيع العربي» قد أنبتت عقولاً تعشق العنف والصدام والخراب، ويكفي الفرد أن يرى ما يحدث اليوم في الشوارع من سكب الزيوت وحرق الإطارات ورمي الأوساخ تحت مفهوم حرية التعبير والربيع العربي!!. المسؤولية التاريخية اليوم تحتم التحرك السريع لاحتواء الأزمة الطائفية التي قسمت المجتمع البحريني، وليس هناك من مخرج سوى بالوحدة الوطنية الحقة وليست المزيفة والمغلفة بدثار الدين، والدين منها براء، ففي ظل شعارات الوحدة الوطنية يرى الجميع حجم الاصطفاف الطائفي الذي وقعت فيه الكثير من الجمعيات، وهذا فيه تناقض كبير، إذ كيف يمكن الحديث عن الوحدة في الوقت الذي تنزوي تلك الجمعيات خلف المليشيات الطائفية، والشعارات طائفية، والسواتر الطائفية. إن الوحدة المنشودة يجب أن يشارك فيها الجميع، وليس طرفا دون آخر، إذا لا يمكن الحديث عن الوحدة في ظل انزواء وتقوقع البعض، فكما قيل قديماً: اليد الوحدة ما تصفق!، ففي الوقت الذي يسعى فيه الجميع إلى الوحدة يرى تقوقع قوى التطرف والتشدد في مواقعها، وكأن الوحدة الوطنية مسؤولية طرف دون آخر. إن الوحدة الوطنية بمفهومها الشامل الواسع هي الشراكة المجتمعية لبناء الفرد والمجتمع، أما أن يتقدم طرف لتعزيز الوحدة في الوقت الذي يتغاضى الأخر عنها فهذه ليست بوحدة وطنية، ولكنها استغلال سياسي بشع، وهذا مشاهد في الكثير من المواقع، ففي الوقت الذي تقوم الحكومة فيه بتفعيل توصيات حوار التوافق الوطني وتوصيات تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق، نرى تجاهلاً كبيراً من بعض القوى المجتمعية تجاه العنف والتخريب في الشارع!. إن الوحدة والمصالحة الوطنية لا يمكن لها إلا بالحوار والاجتماع، وهذا هو المسلك الحضاري التي تقره كل الشعوب والأمم، ولكن في المشهد السياسي البحريني نرى أن بعض القوى والجمعيات تضع العراقيل لمثل هذه اللقاءات والحوارات، وتسعى لعرقلة أي حوار بوضع الشروط المسبقة، ومع رفضها لأي حوار أو مصالحة في الداخل يراها الجميع وهي تهرول إلى الخارج. فالوحدة الوطنية التي تتغنى بها الجمعيات السياسية يجب أن يشعر بها المواطن العادي، من خلال الفعاليات المشتركة، بعيداً عن مهرجانات الصلاة على النبي لدى طائفة، والتكبير لدى الطائفة الأخرى. فإذا كانت الوحدة والمصالحة الوطنية مطلبا أساسيا فإن السؤال الذي يطرح نفسه للجمعيات السياسية التي كثيراً ما تتغنى بالوطنية: كيف رضيتم لأنفسكم أن تحتكموا للغريب الأجنبي الذي دعاكم للجلوس تحت مظلته في لندن؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها