النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الشخيــــر فـــي مضمــار السبـــــــاق

رابط مختصر
العدد 8289 الثلاثاء 20 ديسمبر 2011 الموافق 24 محرم 1432

في ستينات القرن الماضي ظهرت دعوة في أمريكا لفصل حمّامات السود عن حمّامات البيض، فلا يمكن للرجل الأسود أن يستخدم مرحاض الرجل الأبيض. وفي نفس الفترة كانت هناك سيارات للأجرة مكتوب عليها «للبيض فقط»، ولا يمكن لسائقي هذه السيارات نقل المرأة السوداء حتى لو وجدوها على الطريق في عاصفة ممطرة. الأمريكان اليوم قد تجاوزوا هذا الأمر برمّته. لم يعد هناك فصل ما بين السود والبيض، والزواجات بين المختلفين في اللون زادت بشكل كبير، وهناك برامج كثيرة امتدّت لعشرات السنين كان الهدف منها تربية الأطفال على عدم التفريق ما بين بعضهم بسبب اللون، ومنها برنامج «شارع سمسم». وحين يأتي الأمريكان اليوم على ذكر حوادث التمييز العنصري في تلك الفترة يذكرونها وكأنها ضرب من الخيال. كانت هناك رغبة حقيقية من السلطات في أمريكا لإذابة الفوارق ما بين السود والبيض، وكانت هناك جهود جبّارة من النخب الثقافية والاجتماعية والسياسية لتحقيق هذه الغاية، واستغرق هذا الأمر سنين طويلة، ولكن لم يتمّ هذا الأمر عبثاً بل تمّ وفق خطط مدروسة وبرامج جادّة بدأت من الكتاب المدرسي وانطلقت في البرامج التلفزيونية والحملات الإعلامية والتوعوية والصحف والمجلات وانتهت إلى تغيير للقوانين والتشريعات لتتوافق مع التوجهات الجديدة في المجتمع إلى أن تحقّق الاندماج الكامل بين السود والبيض في المجتمع الأمريكي، وبلغ الأمر ذروته حينما تمّ في العام 2008م انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية. الأمر ذاته ينطبق على أوروبا التي عاشت قروناً من الضياع بسبب تعنّت الكنيسة وسيطرتها على إرادات الناس ومصائرهم، وتسبب هذا التعنّت في مقتل الملايين من الناس الأبرياء بسبب الحروب التي شنّتها الكنيسة باسم الدين وتحت راية المسيح، إلى أن نهضت النخب الثقافية الأوروبية ووقفت بحزم ضدّ رجال الدين وضد ثقافة الموت التي يشيعونها وضدّ الخرافات التي يروّجون لها لتحقيق المزيد من السطوة. واستطاعت بهذه الوقفة الشجاعة إنهاء قرون من الضياع والجهل والظلم. واليوم في أوروبا هناك المئات من الأفلام السينمائية التي تحكي عن تلك الحقبة المظلمة من التاريخ، وهناك ملايين من الأوروبيين يشاهدون هذه الأفلام ويجدون صعوبة بالغة في تصديقها أو استيعابها وكأنهم يشاهدون أفلاماً خيالية، لأنهم تجاوزوا تلك الحقبة التي لم يكن فيها الفرد يملك من أمره شيئاً سوى الانقياد للكنيسة والتبعية المطلقة لرجال الدين. ولم يغب إلى اليوم في أوروبا دور الكنيسة في تهذيب الأخلاق وتحقيق التربية الروحانية، ومن يزر الكنائس الأوروبية يجد أنها مازالت تكتظ بالمصلين وبالزائرين ومازال الصليب معلّقاً على الصدور، ولكن في المقابل أصبحت هناك إرادة حرّة للأفراد وأصبح هناك فكر متحرّر من سلطة رجال الدين وأصبحت هناك مساحة كافية من الحرّية للتفكير والإبداع والابتكار. أما نحن في الدول العربية والإسلامية فلدينا مئات القصص التي تصلح أن تتحوّل إلى أفلام خيالية، ومازال القادمون من الدول المتقدّمة يأتون إلينا لا ليأنسوا لرؤية معالمنا التاريخية فحسب بل للاطلاع على الثقافة البائدة التي مازلنا نتشبّث بها ونرفض مغادرتها، بينما الشعوب الأخرى قد نفضتها وألقتها عن كاهلها وبدأت مشوار التحرّر والنهضة والتقدّم من مئات السنين، وكلّ ذلك بدعوى المحافظة على الهوية والتمسّك بالثوابت، ولا ضير عندهم أن ينتكس المجتمع وتتقوّض أركانه ويصبح ويعتريه الهزال، يصبح هدفاً تتناهشه المخالب من كلّ اتجاه ما دامت الهوية المزعومة باقية على حالها والثوابت المدّعاة راسخة. فهل من مصدّق أنّ شعوباً تدّعي العلم والثقافة وتتباهى أمام الأمم الأخرى بالريادة الحضارية، مازالت خاضعة لأهواء رجال الدين ومؤتمرة بأوامرهم، ومازال العلم المادي المتغيّر والمتجدّد عندهم يؤخذ من بطون الكتب التراثية ويُستلّ استلالاً من النصوص المقدّسة، ومازالت المرأة عندهم ليست سوى مربية وخادمة للبيت نهاراً وجارية على السرير ليلاً، ومازالوا يشنّون المعارك والحروب بين بعضهم بسبب اختلافهم في مسائل الوضوء والجمع بين الصلاتين وطريقة وضع اليد في الصلاة. فهل سيأتي اليوم الذي نتجاوز فيه جهلنا وغرائبيتنا وعيشنا خارج الزمن ونشاهد في الأفلام السينمائية تلك الحقبة فنضحك على ما كنّا عليه ونتمنى أن لا نعود إليه؟ وهل يأتي ذلك اليوم الذي نصحو فيه ونكتشف أننا كنا نعيش في أوهام «خير أمة» ونعرف موقعنا الحقيقي بين الشعوب الأخرى لنبدأ خطواتنا الأولى في طريق النهضة والتحضّر؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها