النسخة الورقية
العدد 11125 الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 الموافق 25 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

ليبيا من حكم الحديد والنار إلى الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 8286 السبت 17 ديسمبر 2011 الموافق 21 محرم 1432

«قسما بالله اذا مشيتم وراء فكر الحكام الجدد سترون منهم ما لم تروه من القذافي الذي حكمكم اكثر من 40 عاما».. قائل هذه الكلمات الحاقدة هو طبعا سيف الاسلام القذافي عقب اعتقاله ساخرا من الحكام الجدد في ليبيا التى شهدت مخاضا صعبا لولادة أول حكومة ليبية بعد انتهاء حقبة القذافي الدموية، وهى حكومة شبه تزامنت ولادتها المتعسرة مع اعتقال نجل القذافي العنيد الذي توعد وهدد بني وطنه بعودة عائلته مرة اخرى لتحكم هذه البلاد. ما يهمنا الان هو حكومة الدكتور عبد الرحيم الكيب ويفترض أن تقود المرحلة الانتقالية على مدى الشهور الثمانية المقبلة في ليبيا، وهى مهمة صعبة للغاية، خاصة وأن الدخان الأبيض خرج بصعوبة من ردهات مقر المجلس الوطني الانتقالي، حيث تم استبعاد بعض أسماء وإضافة مرشحين آخرين في عملية تعديل وتنقيح مرهقة شابتها خلافات شد وجذب. وللدلالة على صعوبة عمل تلك الحكومة نشير الى ما قاله الكيب بانه سيركز خلال المرحلة المقبلة على المصالحة الوطنية، وهى عملية مهمة تستغرق فقط 8 أشهر، هي مدة الفترة الانتقالية، فرئيس الوزراء الليبي حاول الخروج باقل الخسائر فى تشكيل الحكومة، حيث اعتمد هنا على اختيار الأكفأ لقيادة البلاد نحو الديمقراطية، وليس من لهم الثقل السياسي الأكبر، على اعتبار أن الكفاءة ستكون هي المعيار الأساسي كي تكون الحكومة متماسكة وقادرة على أداء مهمتها، وفي مقدمة اولوياتها تحقيق توازن بين الفصائل الإقليمية المتنافسة والمعسكرات الآيديولوجية التي تسعى جميعها للحصول على نفوذ في ليبيا الجديدة. بيد ان اعلان الرجل انه اعتماد على الكفاءة فى اختيار الوزراء امر يشوبه عدم الدقة وربما المبالغة، فالكفاءة قد تغيب فى عالم ما بعد الثورات، خاصة وان ليبيا معروف عنها تعدد قبائلها ومناطق النفوذ بها، وتريد كل قبيلة ومنطقة ان يكون لها الاولوية فى ادارة شئون البلاد وان تستأثر باكبر عدد من الوزراء والمسؤولين بما يتناسب مع اهمية القبيلة والمنطقة ونفوذها وحجم مشاركتها في الثورة. بيد ان هذه المشكلة يقابلها ميزة نوعية فى ليبيا بعد الثورة، فليبيا الجديدة ليست فى حاجة ماسة الى الاموال «لديها فائض 200 مليار دولار»، ولكن ما تحتاجه فى واقع الحال هو تأسيس دولة و بنيان قادر على قيادة مرحلة التنمية والتغيير. كل ذلك من اجل انجاز الاستحقاق الأهم وهو تهيئة الشعب الذي تعرض للتغييب القسري لمدة تزيد عن 40 عاما لدخول مرحلة ما بعد الطغيان وما بعد الحكم الشمولي. ونحن هنا نتحدث عن الديمقراطية، فهي ليست حقنة تحت الجلد تستورد من الخارج، وانما الديمقراطية تحتاج الى تربية وتكوين، وهذا سيأخذ وقتا طويلا، والمهم هنا هو مدى الاستعداد داخل ليبيا لممارسة الديمقراطية، فهذا امر أصعب بكثير من الحكم الديكتاتوري، فالديمقراطية هي فن إدارة الاختلاف، فيما الديكتاتورية هي فرض الاتفاق، وإدارة الاختلاف أصعب بكثير من فرض الاتفاق. مشكلة ليبيا السياسية انها وجدت نفسها بعد سنوات من حكم القذافي من دون أحزاب ولا نخب سياسية ولا زعامات، وبالتالي، فان المجتمع الليبي يتلمس طريقه نحو اطلاق الاحزاب السياسية بكافة ايديولوجياتها وتوجهاتها اليمينية والدينية والوسطية، وهنا مكمن الصعوبة ايضا، حيث ان ليبيا ليست فى حاجة الى خطابات آيديولوجية، بينما يتخوف البعض من المد الاصولي فى بلد يتجه نحو الف باء ديمقراطية ودولة مدنية حديثة. فكما حدث فى تونس ومصر، يسعى الاسلاميون استغلال الدين للوثوب على السلطة، رغم ان ما يجب أخذه من الإسلام هو حزمة القيم، فأركان الإسلام الخمسة المعروفة لا تنطبق على الدولة، لأن تلك الدولة ككيان لا تلتزم بالفروض الخمسة من صلاة وصوم وحج وشهادة وزكاة، وانما كيان الدولة يتكون من ارض وشعب وحكومة. بالتأكيد، ان عبد الرحيم الكيب يعلم ان من اولويات عمل حكومته الانتقالية ضرورة الاسراع في تهيئة البلاد لاجراء اول انتخابات فى التاريخ الليبي لتجنب حدوث فراغ في السلطة.. رغم ان الفترة المتبقية حتى اقتراع يونيو المقبل غير كافية للإعداد للانتخابات في المكان الذي لم يشهد أي انتخابات خلال أكثر من أربعة عقود. أضف إلى ذلك عدم وجود قوائم الناخبين، أو دوائر انتخابية، ولا توجد قواعد بشأن الترشح للرئاسة. ففي بلد قمع بوحشية كل نشاط سياسي، ثمة قلة من الناس هم من يدركون مفهوم ومعنى الحزب السياسي ومتطلباته وجمهوره وايدلوجيته. واذا قلنا ان الأسس الأولية للانتخابات في ليبيا تختلف عن مصر وتونس، فالليبيون لا يعرفون ما هي الانتخابات، وما هو الحزب السياسي، ولا كيف يتشكل، أو كيفية الاقتراع ومستلزماته السياسية واللوجستية. ولهذا فان دولة مثل ليبيا خرجت للتو من العدم دون تجربة انتخابية مفيدة، فطبيعي ان تهرع اليها منظمات دولية وامريكية لتثقيف الناخبين واعداد بنية تحتية للانتخابات ومساعدة الجماعات السياسية والمجتمعية الوليدة، ومن هذه المنظمات المعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والمؤسسة الدولية للنظم الانتخابية. اذا.. حكومة الكيب ستنشغل الفترة المقبلة بتحديد الخطوات الضرورية لإجراء انتخابات نزيهة، حيث من المهم جدا أن يتذوق الشعب الديمقراطية، فهي هدف الثورة، بيد ان المشكلة هى ضيق الوقت، فثمانية اشهر غير كافية، فكما ذكرنا انها المرة الأولى التي سيشاهد فيها الليبيون صندوق اقتراع وشعارات وبرامج حزبية ومنافسة بين مرشحين، لتبدأ سنة اولى ديمقراطية وحرية. فهذا هو التحدي الاكبر لحكومة عبد الرحيم الكيب، كي يصل الليبيون لتشكيل اول حكومة منتخبة، تكون مهمتها كتابة أول دستور في البلاد والقوانين الجديدة. ويعد هذا من الامال الليبية، لان من المهم هنا اعداد المواطن الليبي نفسه لهذا التغير، خاصة وان العقلية القبلية غير مهيأة لهذا التغير الديمقراطي والحزبي وفكرة المشاركة فى اتخاذ القرار، وربما يستغرق هذا العمل بعض الوقت، رغم ان الليبيين انفسهم متلهفون لتعلم السياسة والانتخابات، لكن الأعراف الثقافية والقبلية ستؤثر في النهاية على خياراتهم. الأمل في بناء مستقبل ديمقراطي هو الشغل الشاغل لليبيين بعد رحيل القذافي وعصابته، فالثورة كلفت الشعب الليبي الكثير، ومع ذلك فهو يسعى لبناء دولته الجديدة لينعم بالحرية والرخاء والاستقرار ومكونات الدولة المدينة الحديثة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها