النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

نبوءة نجيب محفوظ.. وأحفاد «مأمون رضوان»

رابط مختصر
العدد 8285 الجمعة 16 ديسمبر 2011 الموافق 21 محرم 1432

كما فعل «كمال عبدالجواد»، بطل ثلاثية «نجيب محفوظ»، حين احتفل بليلة عيد ميلاده التاسع عشر في 20 ديسمبر 1926، باستعراض مسيرة حياته خلال هذه الأعوام، فاني احتفلت ليلة الأحد الماضي 11 ديسمبر 2011 بالعيد المئوي لميلاد «نجيب محفوظ»، باستعادة لحظات المتعة التي شعرت بها، وأنا أتعرف لأول مرّة، على عمل من أعماله ليقودني إلى عالمه المتخم بالنشوات العليا. سأتذكر المصادفة التي قادتني وأنا تلميذ بالمدرسة الإعدادية، أن أبادل جاراً لي، إحدى روايات «أرسين لوبين» التي كنت أشغف بقراءتها آنذاك، برواية «خان الخليلي» التي ما كدت أشرع في قراءتها، حتى غرقت فيها تماماً، ولم أتركها حتى أتممتها، لأبدأ في البحث عما كان قد صدر له حتى ذلك الحين، ولم يكن يتجاوز خمس روايات، وألاحق كل ما صدر له بعدها، وأكرر قراءته، وأشعر في كل مرّة بمتعة متجددة ومختلفة، تؤكد مقولة «يحيى حقي» بأن القصة والرواية كالقطط بسبعة أرواح، تعطي قارئها -مع كل قراءة- متعة جديدة ورؤية إضافية. سأتذكر الأسبوع الذي ادخرت فيه مصروفي، وحرمت نفسي من المتع القليلة التي كان يتيحها لي، لكي أستطيع شراء الطبعة الثانية من روايته «القاهرة الجديدة» التي صدرت عام 1953 ضمن سلسلة «الكتاب الذهبي» بعنوان «فضيحة في القاهرة» وتحولت بعد ذلك إلى فيلم سينمائي بعنوان ثالث هو «القاهرة 30»، وضبطني الاخصائي الاجتماعي «الأستاذ بازرعة» في ركن من فناء المدرسة، أقرؤها أثناء فسحة الغداء، فأخذ يقلبها بين يديه، وهو يسألني عما قرأته لصاحبها ولغيره من قصص، ثم قادني إلى غرفة في أقصى الفناء، لأكتشف لأول مرّة أن بالمدرسة مكتبة، وأعرف الطريق إلى المكتبات العامة. وبعد ذلك التاريخ بحوالي عام صدرت «بداية ونهاية» في السلسلة ذاتها، وما كدت أتسلمها من بائع الصحف، وأسلمه مصروف الأسبوع الذي ادخرته، حتى شرعت أقرؤها وأنا أسير في الطريق إلى المدرسة، لا أبالي بمن أصدمهم أو يصطدمون بي، حتى جلست بمكاني المختار بآخر قمطر في حجرة الدراسة، ففتحت الرواية على الفصل الذي كنت قد وصلت إليه في قراءتها، وفوقها -على سبيل التمويه- كراسة الكيمياء، متظاهرا بأني أتابع المعادلات التي كان الأستاذ يكتبها على السبورة، وكنت مستغرقا تماما في متابعة صراع أبناء «كامل أفندي علي» من أجل البقاء، حتى فوجئت بيد المدرس تزيح كراسة الكيمياء التي أغطي بها إحدى صفحات الرواية، ليقبض عليها، ويلوح بها أمام بقية الطلبة قائلا: هوّا ده كتاب الكيميا بتاعك، ثم يقذف بها من النافذة، وهو يشير بأصبعه إلى باب الفصل قائلا: وراها.. وبينما أنا أفتح الباب، قال لي: ابقى قابلني إذا نجحت. ولم أهتم بما قال وأسرعت أبحث ملهوفا في الفناء عن الرواية، وما أن وجدتها حتى أسرعت بها إلى مكان قصي من ملعب كرة السلة، لأواصل متابعة المصير المضجع الذي انتهت إليه أسرة «كامل أفندي علي». فيما بعد توقفت أمام عبارة نقلها «لينين» عن «كارل ماركس» الذي كان يقول إنه حتى في علوم الاقتصاد والاجتماع تعلم من الروائي الفرنسي «بلزاك» أكثر مما تعلم من أساتذة الاقتصاد والاجتماع مجتمعين، لأكتشف أنني تعلمت تاريخ مصر الاجتماعي والسياسي من روايات «نجيب محفوظ» أكثر مما تعلمت من أساتذة الاجتماع والاقتصاد مجتمعين، ليس فقط لأن الخلفية التاريخية لأحداثها كانت هي التي جعلتني أشغف بالقراءة في التاريخ، لكن -كذلك- لأن الصراع بين الأنماط الاجتماعية التي تنتمي إليها شخصيات رواياته جاء ليرسم خريطة للصراع الاجتماعي والفكري الذي شهدته مصر خلال مرحلة ما بين ثورتي 1919 و1952، وماتلاهما حتى رحيل محفوظ. ولم تكن مصادفة أن أحداث أولى روايات المرحلة الواقعية في كتاباته وهي «القاهرة الجديدة» كانت تدور حول الصراع بين ثلاثة أنماط ينتمون للطبقة الوسطى الصغيرة في مرحلة ما بعد ثورة 1919، تضم الانتهازي «محجوب عبدالدايم» الذي كان يرفع شعار «طز» لكل شيء، والثاني هو الاشتراكي الطوباوي «علي طه» الذي تأثر بأفكار «أوجست كونت» وأخذ يناضل من أجل العدالة والديمقراطية، والإسلامي «مأمون رضوان» الذي يحلم بإعادة مجد الخلافة الإسلامية، وأن آخر روايات هذه المرحلة، وهي الثلاثية قد انتهت وقد جمع السجن الشقيقين «عبدالمنعم شوكت» العضو النشط في جماعة الإخوان المسلمين، وأحمد شوكت «الكادر الشيوعي» طبعة الأربعينيات زنزانة واحدة، ونبوءة مبكرة بأن هذين التيارين سيكونان فرسي الرهان في صياغة مستقبل الوطن. وربما لهذا السبب ولغيره أتذكر، في ليلة الاحتفال بالعيد المئوي لميلاد «نجيب محفوظ»، أن أحد أحفاد «مأمون رضوان» هو الذي قطع منذ سنوات وريدا في رقبة «نجيب محفوظ» لكي يشل يده عن الكتابة، وأن حفيداً آخر استقبل الاحتفال بتصريح قال فيه إن أعمال محفوظ تروج للدعارة والفسق والمخدرات، وإن نتائج الانتخابات العامة، التي تجري الآن، قد تسفر عن أغلبية تتيح لهؤلاء الأحفاد أن يحكموا مصر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها