النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

أتُترك الفتنة نائمة؟!!

رابط مختصر
العدد 8285 الجمعة 16 ديسمبر 2011 الموافق 21 محرم 1432

لا يتطلب البحث عن موضوع ليكتب المرء فيه أو عنه أو حوله وقتا طويلا، لأن المشهد السياسي، الخارق في التباساته يغص بالمواضيع ويعج بالعناوين وما عليه إلا الاختيار وسوف تكون عملية الاختيار سهلة ويسيرة. ومن المواضيع التي قادني تفكيري الكتابة عنها هو موضوع «الفتنة» التي أحسبها - أي الفتنة – هي أحد أهم العناوين الرئيسية التي أدخلت مجتمعنا في عراكه الطائفي المهلك المستمر منذ الرابع عشر من فبراير وإلى الآن، حتى أنه لا يبدو في الأفق أننا في وارد وضع نهاية له. هل من أحد يشك في أن أغلب ما يقوله واحد من رجال الدين المسكون بأوهام زعامة ولاية الفقيه على البحرين لا يندرج تحت عنوان الفتنة؟ أو هل ينكر كل متأمل في تفصيلات المشهدين السياسي الاجتماعي والعقائدي الاجتماعي أن ممارسات كثيرة لقوى مجتمعية لها على بسطاء الإدراك وعلى المثقفين المذهبيين أيضا تأثير الوحي تعمل على إذكاء نيران الفتنة في صلب الواقع البحريني، بما أوتيت من جهد تشهد عليه بعض الوقائع التي جرت في أماكن معينة في المحافظة الوسطى وفي مدينة المحرق الشماء؟ وجدت أنني قد سبق لي أن كتبت مقالا حول موضوع «الفتنة» وما كان عليّ إلا أن أكيف متنه ليتناسب مع اللحظة التاريخية الحرجة التي يمر في نفق ظلمتها الوطن وأعيد تقديمه للقارئ الكريم. الفتنة، على ما أفهم، هي التي نعيش أجواءها ونتدثر بردائها ويحاول من يحاول تجذيرها في مجتمع البحرين المسالم الذي هو ضحية صراع إقليمي تقود إيران كتيبته المذهبية لزج مجتمعات الخليج العربي في أتونه لتستقوي هي بالنتائج الكارثية لهذا الصراع. الفتنة تبدأ شرارة يطيّرها ذوو مصلحة في المجتمع حتى تغدو نارا مستعرة لا تبقي ولا تذر، وهي بوابة واسعة تفضي ترهاتها إلى التدمير الشامل وتقضي على كل أسباب التنمية وتنشر معوقاتها. لقد حدثت في المجتمعات العربية، قديمها وحديثها، فتن كثيرة ليس المجال هنا لحصرها وذكرها. ولعل الإشارة هنا إلى الفتنة التي حدثت بين علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما كأول فتنة بعد ظهور الإسلام، وتسمى الفتنة الصغرى والتذكير بها وبنتائجها الكارثية على وحدة المسلمين، تخدم موضوع المقال من حيث هي تعبير عن أمل ورغبة شعب البحرين وحكومته في قبر الفتنة، التي بدأت تطل برأسها من مدينة المحرق بيت التسامح ومعقل التسامح، إلى الأبد. رغم أن الفتن التي حلت بالعرب والمسلمين كثيرة إلا أن ما صرف من جهد، في سبيل درئها ووأدها قليل، ويرجع ذلك تاريخيا لمصالح فئوية أحيانا واستعمارية في أحيان أخرى. ومن المعروف أن العرب من الشعوب المتكلمة إلا أنهم لم يقولوا شيئا كثيرا عن الفتنة، وفي هذا الإطار أذكر قولا لا أعرف لمن ينسب ومن المفيد أن نكرره «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها». لكن هل يكفي أن ندع الفتنة نائمة؟ كنت أتمنى لو أننا إلى جانب الدعاء عليها باللعنة نعمل أفرادا ومجتمعا ودولة على وأدها. الغريب في الأمر أن لا الذي جاء في 35 سورة من سور القرآن الكريم، ولا في الحكم والأقوال المأثورة استطاع أن يفعل شيئا ينتزع الفتنة من قلوب الناس، ويقتلعها كفكرة من رؤوسهم، ويجتث أسبابها عندهم، ويدمر البيئات التي فيها تترعرع. لقد ظلت الفتنة بمختلف سياقاتها نائمة معنا في مخادعنا تتحين فرصة أن نفتح أعيننا حتى تسبقنا في النهوض والخروج من باب الدار قبل خروجنا نحن. الفتنة بالضبط مثل ما هي المؤامرة المعششة أبدا في عقولنا نستحضرها بمجرد الشعور بالخطر لتدافع حكوماتنا عن هوانها وضعفها أمام شعوبها. ألا يبدو لكم الفرق واضحا بين الفتنة والمؤامرة، كما هو يبدو لي، وهو أن الفتنة تستحضرنا لنتشارك في إذكاء أوارها والمؤامرة نستحضرها للسبب الذي أسلفت. وحيث أنني لا أقول بأن إيراد المؤامرة باعتبارها سببا رئيسيا لانتكاساتنا وهزائمنا قد تراجع، فإنني في المقابل أحسب أن الباحثين في الشأن السياسي والعلوم الاجتماعية قد كشفوا عن أسباب رواج هذه النظرية حتى بات جليا ضعف هذا الإدعاء ومحرضاته ومعقوليته وخفته وهو يطير في السماء العربية. فمثلا يقول الباحث سعد الدين إبراهيم «إن التضخيم للقدرات الذاتية ثم الهزائم قاد إلى زرع بذور نظريات المؤامرة والعمالة والخيانة.» فماذا قلنا نحن عن الفتنة حتى نعري مواقف من يستند إليها كمشجب يُعلق عليه أسباب إخفاقاتنا في درء عوامل حدوثها أو استفحالها في مجتمعاتنا العربية، غير تلك المقولة المشهورة «الفتنة نائمة لعن الله من أيقضها»، فهل أن نوم الفتنة كفيل بانسحابها من المشهد الاجتماعي؟ لماذا لم نساهم كلنا في ذبحها من الوريد إلى الوريد؟ لماذا تركناها كل هذا الزمن المديد كي تعتلي مداركنا وحواسنا ونحن عنها ساهون، لتغدو جزءَا من مخبوء سلوكنا في الكراهية تجاه الآخر. نوم الفتنة حينما وقع فيما سبق أو حين أحدثناه كان مجرد انسحاب مؤقت من دائرة الفعل فحسب ولم يكن البتة انسحابا كليا من المشهد الاجتماعي لأن التأثير والتأثر قائمان حتى بصمتنا، فكيف بأقوالنا وأفعالنا؟!. ثم وبعد كل هذا، هل أن الرواية لما حدث في المحرق في الأيام القليلة الماضية تتحلى بالمصداقية عطفا على تاريخ مديد من التسامح والتحابب؟ إذن ما الذي علينا فعله إذا ما أردنا أن نبتعد بمجتمعنا البحريني بعيدا عن أتون الفتنة حتى يؤول إلينا زمام الريادة في محاربة الفتنة الطائفية المستزرعة بسواعد «وطنية» تحركها مكاسب آنية ضيقة. في اعتقادي إن أولى أولوياتنا هي فتح حوار حقيقي بين مؤسسات المجتمع المدني عامة وبين الجمعيات السياسية التي تكرر القول دائما أنها تمثل الناس بمختلف تحدراتهم العرقية وانتساباتهم الفكرية. أمّا ثانية هذه الأولويات فإغلاق مسارب الظلم والتمييز والفساد التي يسأل عنها أفراد بصفتهم الشخصية في الدولة محسوبين على جمعيات سياسية دينية في الأصل، ابحثوا عنهم فستجدونهم طافحين على سطح مكاتب التوظيف، إذ أن القول بأن التمييز «نهج» حكومي غير حصيف، كل حكومات العالم تسعى إلى الاستقرار، والاستقرار لا يتأتي إلا بإشاعة العدل والمساواة بين أفراد الشعب، وحكومتنا هنا ليست من هذه القاعدة استثناء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها