النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

عن أيّ نخب تتحدّث؟

رابط مختصر
العدد 8282 الثلاثاء 13 ديسمبر 2011 الموافق 18 محرم 1432

أثناء ما كان أصدقائي يتحدّثون عن ضرورة أن تتحرّك الدولة لرأب الصدع الطائفي من خلال برامج جادّة وإعلام رصين وتحرّكات شجاعة، وجدت أنّ صاحبي لا يشاركنا الحديث ولم ينبس ببنت شفة طوال فترة جلستنا، وبدا أنّه غير مقتنع بكلّ الذي دار حوله وكلّ النقاش المثار. وبعد أن انصرف الأصدقاء جلست معه فعدّل جلسته وكأنّه يهمّ بالاستماع إلى رأيي. قلت: له إن الحلّ برأيي يأتي من النخب، فالنخب في المجتمعات المتقدّمة هي التي تقود المجتمعات إلى التطوّر والرقيّ والتحضّر، وهي التي تعالج أدواءها وهي التي يقع على كاهلها تأسيس الحراك المفضي إلى الحرّية والانطلاق، فالمجتمعات الأوروبية لم تنتظر أن تصنع الدولة مشروعها الحضاري والثقافي بل إنّ النخب هي التي قادت مجتمعاتها لما هي عليه الآن من نهضة ثقافية وحضارية. ضحك صاحبي كثيراً كما لم أره يضحك من قبل وقال لي: عن أيّ نخب تتحدّث؟ وهل عندنا نخب في البحرين؟ هل تتحدّث عن خرّيجي الجامعات الذين يتباهون بشهاداتهم العليا مثلما تتباهى الفتاة بلبس إكسسوارات «ديور» و»لويس فيتون»؟ هل تتحدّث عن حملة الشهادات العليا الذين ذهبوا للدراسة ليفرحوا أمهاتهم ولا يعودون إلا بأطنان من العقد النفسية والغرور والتكبّر، دون أن يكون لهم دور أكاديمي ولا مجتمعي، وكأنّ الشهادة عندهم غاية في حدّ ذاتها؟ قلت له: هناك نخب ثقافية. فردّ عليّ: أين هي النخب الثقافية يا أخي؟ هل تقصد أولئك الذين يقضون وقتاً في النظر في المرآة أكثر من الوقت الذي يقضونه في القراءة والتأليف والبحث والمناقشة والمحاورة والمناظرة، وكلّ همهم أن ينفشوا شعورهم ويفتحوا أزرار قمصانهم ويلبسوا ثياب المهرّجين لكي يبدوا مثل مثقفي أوروبا وفلاسفة الغرب، ومن أوّل محاورة معهم تكتشف أنّ وعيهم الثقافي لا يختلف عن الوعي الثقافي الذي يمتلكه بائع «اللوز» في السوق المركزي؟ هل أطلب حلاً من أولئك الذين يستلهمون ثقافتهم الحداثية من الكتب الغيبية، ويبحثون حرّيتهم تحت عمائم المشايخ وأشمغتهم، ويسعون إلى تحرير المجتمعات من تكريس الانقياد إلى رجال الدين؟ قلت له: هناك نخب سياسية. قال لي: أين هي النخب السياسية؟ وما كنّا نظنّهم من النخب السياسية خيّبوا ظنوننا أثناء الأزمة الأخيرة واكتشفنا أنّهم لم يكونوا سوى ظاهرة صوتية، وأنّ المبادئ التي كانوا ينادون بها في كلّ مناسبة رموها في أقرب سلّة مهملات وصاروا هم دعاة الفتنة ومشعلي الأزمات، وعوضاً عن أن يرفعوا درجة الوعي السياسي لدى عامّة الناس أصبحوا تبعاً للعامّة يقودونهم إلى إشعال البلد بنيران الجهل والحمق. لقد كنّا ننتظر أن يأتي الحلّ منهم في أزمتنا وإذا بهم هم المشكلة. قلت له: إذن البركة في الشباب. فالشباب لديهم طاقة جبّارة ورؤية متقدّمة وعاطفة جيّاشة. ضحك كثيراً ضحكة فيها الكثير من الألم وقال لي: عن أي شباب تتحدّث وأي طاقة؟ انظر للشباب. إنهم يجلسون قبالة «اللابتوب» وفي يدهم علبة «النفّيش» الكبيرة، ويديرون المعارك الطائفية في تويتر كما يلعبون البلاي ستيشن، ويتابعون مجريات السباب واللعن والتخوين والتسفيه وكأنهم يتابعون مباراة في الدوري الإسباني، ويريد كلّ شابّ أن يكسّر رأس الشابّ في الطرف الآخر، وكلّ همهم أن يخرج كلّ واحد منهم منتصراً حتى لو احترقت البلد وتناحر الناس. وفي اليوم الذي يقلّ الحماس عندهم يشعله لهم خطيب جامع أو سياسي موتور أو كاتب مراهق. قلت له: إذن هل ستكون حالماً وتقول لي إنّ المرأة هي أساس بناء المجتمع وأساس نهضته وإنّ حلّ الأزمة في البلد سيكون بيدها؟ ردّ عليّ: لن أكون حالماً، فالأزمة لن تجد حلّها بالأحلام الجميلة والأماني المعسولة. وبالطبع لن أقول إنّ الحلّ يأتي من المرأة التي ينتهك حقّها في بيتها ليلاً وتخرج نهاراً للتظاهر ضدّ منحها حقوقها. ولن أتحدّث عن المرأة التي كلّما انتظرنا منها دوراً في المجتمع زادت اختباءً وتوارياً خلف الرجل، وكلما سعينا لوضعها في القرن الحادي والعشرين عادت بملء إرادتها لتعيش في القرون الوسطى، وكلّما ظنّت أنّها أصبحت أقرب إلى الله أصبحت أكثر انقياداً للمتحدّثين زوراً باسم الله وابتعدت عن جادّة التطوّر وسلّم الحضارة. قلت له وقد بدت علائم اليأس تظهر على محيّاي: وما الحلّ إذن؟ قال لي: الحلّ أن تلوذ بصمتك وتركن إلى السكوت، فهل بقي ثمّة ما يقال؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها