النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11250 الإثنين 27 يناير 2020 الموافق 2 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:16PM
  • العشاء
    6:46PM

كتاب الايام

مليونية الشيخ «عثمان سليط»

رابط مختصر
العدد 8271 الجمعة 2 ديسمبر 2011 الموافق 7 محرم 1432

تشيع عبارة «إخْصْ عليك» في العامية المصرية، بمعني «عار عليك»، وعادة ما ينطقها الذي يقولها بحروف خشنة وعلي وجهه علامات اشمئزاز، ويعقبها ـ عادة ـ ببصقة علي الأرض، أو علي وجه الأبعد الذي يخاطبه علي سبيل الاحتقار، اللهم إلا إذا كان يقولها علي سبيل العتاب، كأن تقول فتاة لخطيبها مثلا: «اخص عليك.. كده تتأخر وتسيبني ملطوعة علي محطة الأتوبيس ساعتين..» فتنطق بحروف مخففة.. وبلهجة رقيقة ناعمة تقلب الخاء حاءً وتعيد الصاد سينًا، تعقبها ضغطة علي اليد.. أو قبلة علي الوجنتين!». و«إخص» ـ بكسر الألف وسكون الخاء والصاد ـ كلمة فصيحة، أصلها «اخسأ» جري تحريفها علي ألسنة العوام بإبدال السين صادًا، وحذف الألف الثانية، وفي القاموس «خسأ الكلب» أي «بَعُد وذلّ» و«خسأ البصر» أي «أعيا وكلّ». وكان أستاذ الأجيال «أحمد لطفي السيد» (1872 ـ 1963) هو أول مفكر سياسي مصري، يأخذ هذا «الاخص» المصحوب ببصقة علي الأرض، في تاريخ الفكر العربي الحديث.. وهو محام وكاتب وصحفي ومدير لدار الكتب ومدير لجامعة القاهرة، ووزير للمعارف ورئيس لمجمع اللغة العربية، ووزير للخارجية، وأول من ترجم مؤلفات الفيلسوف اليوناني «أرسطو» إلي العربية.. وتعرفه دوائر المعارف بأنه «رائد الفكر الليبرالي العربي». أما أيامها فكان «أحمد لطفي السيد» رئيسا لتحرير صحيفة يومية تحمل اسم «الجريدة» صدرت عام 1906 لتكون لسان حال «حزب الأمة» وعلي صفحاتها عرف المصريون لأول مرة معاني كلمات مثل «الليبرالية» ـ وكانت تترجم آنذاك إلي «التحررية» ـ والديمقراطية وتحرير المرأة وتعرفوا إلي شخصيات مثل «جان جاك روسو» و«مونيسكيو» وغيرها من مصطلحات وأعلام الفكر الليبرالي، وسرعان ما احتشد حوله فريق من الشبان الذين تأثروا بالفكر الأوروبي، أو تلقوا دروسهم في أوروبا، من بينهم «طه حسين» و«محمد حسين هيكل» و«أحمد فتحي زغلول» و«طلعت حرب» و«قاسم أمين» وآخرين، خاضوا سلسلة من المعارك الفكرية، دفاعا عن الحريات الليبرالية، من حرية الرأي إلي حرية العقيدة، ومن حرية الصحافة إلي حرية تشكيل الأحزاب، ومن حرية البحث العلمي، إلي حرية المرأة، ومن تحرير الوطن إلي تمصير الاقتصاد بإنشاء بنك مصري ينقذ ثروة البلاد من سيطرة البنوك الأجنبية.. وعندما أصدر «قاسم أمين» كتابه الثاني «تحرير المرأة» خاضت «الجريدة» معركة الدفاع عنه، في مواجهة الذين نددوا بالكتاب وشَّهروا بمؤلفه.. وطعنوا في إيمانه. وبعد ست سنوات من صدورها، رشح «لطفي السيد» نفسه لعضوية «الجمعية التشريعية ـ برلمان ذلك العصر ـ عن دائرة «قلين» بمديرية الدقهلية، ولأنه كان شخصية عامة معروفة علي نطاق القطر، فضلا عن أنه كان ينتمي لأسرة من أعيان الناحية، فقد أيقن منافسه الشيخ «عثمان سليط» أن الدائرة سوف تطير منه، حتي كاد يتنازل عن الترشيح يأساً من الفوز، لولا أن صديقا له أقنعه بأن لديه وسيلة تقضي علي منافسه «لطفي بك» بالضربة القاضية وعلي الفور اختارا مجموعة من أعداد «الجريدة» التي تحمل مقالات «لطفي السيد» عن الديمقراطية ومساواة المرأة بالرجل، وبدأ الاثنان يطوفان بالدائرة، فإذا ضمهما مجلس قال الصديق: ـ بصراحة.. «لطفي بك» كفء ونزيه.. بس يا خسارة. فإذا سأله الحاضرون: ـ علي إيه يا سيدنا البيه؟ قال: لو ماكنشي ديمقراطي. وينشط أحد أنصار «لطفي السيد» إلي دفع الاعتراض، متسائلا عن عيب «الديمقراطية» عندئذ يقول الصديق: ـ ألا تدري ما هي الديمقراطية؟ إنها مصيبة علي الدين وعلي العادات! ألا يطالب «لطفي بك» بمساواة المرأة بالرجل؟ طيب أليس من حق الرجل أن يتزوج بأربع نساء؟ فإذا تساوت المرأة والرجل في الحقوق ألا يكون معني ذلك أن تصبح للمرأة نفس حقوق الرجل، فتتزوج هي الأخري بأربعة رجال؟ إذا كان هذا يرضيكم يا حضرات الناخبين فانتخبوا صاحب هذا الرأي المخالف لدين الله وأحكام الشرع وعادات المسلمين. وبعد هذا يناول الصديق المستمعين أعداد «الجريدة» ليقرأوا ويتأكدوا بأنفسهم من صدق الكلام.. فيقرأ من كان منهم يعرف القراءة سطرا ثم سطرين فلا يفهم منهما شيئا.. فيلقيها، وهو ما كان ينتهي عادة علي الأرض، مصحوبة ببصقة وبعبارة «اخص دا «لطفي بك» طلع ديمقراطي»! وهكذا طارت الدائرة، ولم يفز لطفي بك بلقب النائب «المحترم» بل حصل علي لقب «اخص دا ديمقراطي».. ومع أنه كان أول من حصل بعد ذلك علي جائزة الدولة التقديرية عام 1958، إلا أنني فوجئت يوم الجمعة الماضية الذي انعقدت فيه ـ بدعوة من التيارات الدينية الإسلامية في مصر ـ مليونية تهتف «لا مدنية ولا ليبرالية» فتذكرت أول «إخص» في تاريخ الفكر العربي الحديث، وحين دققت النظر في وجوه الذين يهتفون اكتشفت أنهم جميعا من أحفاد الشيخ «عثمان سليط»، وأنهم في حالة من «الإخص» الشديد، وكأن مائة عام لم تمر علي جائزة الإخص التي حصل عليها لطفي بك الديمقراطي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا