النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

أيهــــا الخطباء كفاكــــم عــــبثاً

رابط مختصر
العدد 8268 الثلاثاء 29 نوفمبر 2011 الموافق 4 محرم 1432

كنت في مقالاتي في السنوات الماضية أدعو أن تكون خطبة الجمعة أكثر التصاقاً بالواقع وأكثر مجاراة للأحداث الراهنة وأكثر اهتماماً بالشأن السياسي. وكنت أعيب على الخطباء انشغالهم بمسائل الوضوء والاستجمار والتهجّد والعالم يموج من حولهم بالأحداث، وأنتقدهم في اهتمامهم بحادثة انشقاق القمر الحاصلة قبل أربعة عشر قرناً في وسط مجتمع ينقسم ويتآكل يوماً بعد يوم بفعل الطائفية. أما الآن فإني أعتذر علناً عن ذلك وأعلن عن رغبتي الملحّة في أن تعود خطبة الجمعة أبعد ما تكون عن الواقع وأن يكون بينها وبين الشأن السياسي بُعد ما بين المشرق والمغرب وأن يكون بينها وبين الأحداث وادٍ سحيق عميق! بعدما شهدْتُه خلال الأزمة الأخيرة من استغلال سيء لمنبر الجمعة ومن استثمار الخطباء للعاطفة الدينية لدى المصلّين والزجّ بهم في أتون الصراعات الطائفية واستخدامهم وقوداً لإشعال نيران الكراهية والحقد والبغض، صرت أتمنى أن يعود خطباء الجمعة إلى خطب فضائل التسبيح والذكر والتهليل وفضائل تقبيل الحجر الأسود وأحكام الطهارة ووسائل التقرّب إلى الله، بدلاً من أن يمتطوا صهوة السياسة ويقودون مصير البلد مثلما يقود المراهقون «الدبّاب» في برّ السعودية! فخطبة الجمعة التي من المفترض أن تجمع الناس وتؤلّف بينهم أصبحت لدى كثير من الخطباء الممتطين لصهوة السياسة وسيلة لبثّ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، ولصبّ الزيت على النار، وأصبحت صلاة الجمعة زاداً طائفياً أسبوعياً يتزوّد به المصلّون العوام ليشعلوا باقي أيام الأسبوع بممارسات الحقد والكره والبغض، وكلما ازداد المختلفون في الوطن كرهاً لبعضهم ازداد خطباء الجمعة أهمية وزادت مكانتهم ارتفاعاً. حين كنت في المرحلة الإعدادية جلست في أحد الجوامع القديمة فوقع بين يديّ كتاب قديم مهترئة أوراقه، وحين سألت صديقي المجاور بيته للجامع قال لي إنّ هذا هو الكتاب الذي يقرأ منه خطيب الجامع ذو السبعين سنة خطبه يوم الجمعة، واكتشفت أنّ الكتاب يحوي جميع الخطب التي ينبغي للخطيب أن يقرأها طوال العام دون زيادة أو نقصان، ووجدت في ختام كلّ خطبة دعاءً مخصصاً للسلطان العثماني عبدالحميد! ولقد كنت أروي هذه الحادثة لأصحابي وللمهتمين بالشأن الديني للتندّر ولحمل خطباء الجمعة على أن يجدّدوا خطبهم وأن يخرجوا من نطاق خطب الحيض والنفاس والزواج والطلاق، أما اليوم وبعد كلّ الذي حدث في البلاد والذي زاده خطباء الجمع اشتعالاً يحقّ لي أن أدعو وزارة العدل والشؤون الإسلامية لأن تدرس اعتماد كتاب السلطان عبدالحميد مادّة إلزامية لكلّ خطباء الجمع لكي لا يخرجوا عن نطاقها، حتى لو تسبّب هذا الأمر في أن تصبح خطبة الجمعة كالفلكلور! لقد ظلّت المقاهي الشعبية التي يلتقي فيها السنّي والشيعي بشكل غير مفتعل على حالها في الجمع بين المختلفين وفي إذابة الفوارق وإزالة ما يعلق في النفوس من موجهات الكراهية، والأمر كذلك بالنسبة للخيام المنصوبة في الفرجان والمجالس العامّة التي تجمع المختلفين في إطار من الودّ والاحترام مثلما كانوا دائماً، وحين تغيّرت النفوس في شهري فبراير ومارس بفعل الأزمة عادت «بيالات» الشاي تلفّ على المختلفين وعادت النكات والضحكات بينهم وكأنّ شيئاً لم يكن. أما منابر رسول الله فمازال كثير منها على حالها في شنّ حملات التحشيد والتخوين والتأليب وكأنّنا في حالة حرب. فهل ينبغي أن نُلحق خطباء الجمع في دورات تدريبية بالمقاهي الشعبية أو خيام الفرجان لكي يتعلّموا منهم كيف يداوي أبناء الوطن جراحهم وكيف تتصافى النفوس بعد الأزمات وكيف يطوي المختلفون خلافاتهم ويتجاوزون اختلافاتهم؟ هل أصبح مرتادو المقاهي والخيام أكثر نضجاً من المؤتمنين على منبر رسول الله (ص)؟ وهل تحوّلت دعوة الحبّ التي أطلقها الرسول من على منبره إلى دعوة للكره وحمل الضغينة على الجيران والأحباب والزملاء؟ مازال الناس ملتزمين بأداء صلاة الجمعة والاستماع للخطباء، فهل هؤلاء ملزمون أيضاً بأخذ جرعات الكراهية والحقد والتخوين والازدراء أسبوعياً من هذه الخطب؟ هل هم باستماعهم إلى مثل هذه الخطب يجنون الحسنات أم السيئات؟ هل الذي يرفض الذهاب إلى صلاة الجمعة يلقى سخط الله والذي يذهب للاستماع إلى خطب الكراهية ينال رضا الله؟ بالطبع لا. فيا خطباء الجمعة عودوا إلى خطب الذكر وفضائل القرآن وحقّ الجار يرحمكم الله، ونزّهوا منبر رسول الله من عبثكم. فمجتمعنا لا يحتاج إلى مزيد من هذا العبث.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها