النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الفيلم الذي انتحرت بسببه سعاد حسني!

رابط مختصر
العدد 8264 الجمعة 25 نوفمبر 2011 الموافق 29 ذو الحجة 1432

في ذكرياته عن سنوات طفولته وشبابه المبكر، قال الزعيم الهندي «المهاتما غاندي» أنه كان يركب القطار في الدرجة الثالثة لأنه لا توجد درجة رابعة، وهو ما كنت أفعله، فلأنه لم تكن هناك درجة رابعة، فقد كنت - في شبابي- أركب القطار وأرتاد السينما والمسرح في الدرجة الثالثة، وكنت أحرص على أن أجلس في آخر صف في الفصل حتى أستمتع - بعيدا عن أعين المدرس - بقراءة الكتب التي أشتريها من مكتبات الدرجة الثالثة. ومنذ شهور وأنا أبحث في قنوات التليفزيون التي تعرض الأفلام القديمة، عن فيلم «الدرجة الثالثة» لأعيد مشاهدته، ربما لأن أحداثه تدور في الدرجة الثالثة لملاعب كرة القدم، التي لم أرتدها في حياتي، وربما لأنه الفيلم الوحيد الذي قامت ببطولته الفنانة الراحلة «سعاد حسني» ولم يستمر عرضه الأول سوى ثلاثة أيام، وقيل إن فشله كان أحد أهم أسباب حالة الاكتئاب التي قادتها إلى الانتحار. وتدور أحداث الفيلم - الذي كتبه «ماهر عواد» وأخرجه «شريف عرفة» وعرض عام 1988- داخل ناد رياضي لكرة القدم ، يقوده مجلس إدارة يختار بنفسه جمعية منتخبة من محبي - أو مشجعي - النادي يفترض أنها تمثلهم، وتختص بسلطة وضع سياسة للنادي، ومراقبة مجلس الإدارة لضمان تنفيذه لها، لكنها - نتيجة للتحيز المسبق في اختيارها، وللمغريات التي تسقط في شباكها - تنفصل عمن تمثلهم وتندمج فيمن انتخبت لتراقبهم، لتتشكل من الاثنين نخبة تقود النادي، وتتمتع بكل خيراته - أو تنهبها- فهي تجلس في المقصورة تحتمي من البرد والقيظ بالمظلات، ومن الرصاص والطوب بالزجاج الواقي، وتقتني أفخر السيارات.. وتجتمع في الهواء الطلق لتقاسم الأرباح وتحوز فخار النصر الذي لا تبذل في سبيله شيئا! أما الذين يصنعون هذا النصر، ويموتون في سبيله، ويخوضون المعارك الباسلة ضد مشجعي الأندية المنافسة فتتحطم ضلوعهم فهم جمهور الدرجة الثالثة، وهم زحام من البشر، تعتقد النخبة أنه يخلو من المواهب والقدرات، وأن الأقدار قد اختارت لهم تلك الدرجة الثالثة، لتكون قضاءهم الذي لا مهرب لهم منه، فهم يعملون في وظائف من الدرجة الثالثة، ويقيمون في مساكن من الدرجة الثالثة وينقلون - ليعالجوا إصاباتهم في معارك الدفاع عن النادي - إلى مستشفيات من الدرجة الثالثة، فلا يكافؤون بشيء إلا بمجرد باقة ورد يرسلها لهم رئيس جمعية المحبين، فهم يضحون من أجل النصر، ولا يحصلون علي ثمرة واحدة من ثماره، وذلك هو العدل الذي يقضي به قانون تقسيم الأدوار، الذي وضعته النخبة التي تحكم النادي! وعلي الرغم من نصيبهم المتواضع ذلك من ثمار النصر، ومع أن الميزانية التي كانت مخصصة لإنشاء مظلات واقية تحميهم، من الشمس والمطر استخدمت - بقدرة قادر .. هو مجلس الإدارة طبعا - لإنشاء حاجز زجاجي يحمي سكان المقصورة من الرصاص فإن جمهور الدرجة الثالثة، لا يستطيع إلا أن يحب النادي ولا يملك إلا أن يضحي من أجله، من سائق الأتوبيس الذي فصل من عمله، لأنه خرج به عن الخط، لكي يشاهد مباراة الكأس، إلى «بائعة السمين» - سعاد حسني - التي تعيش في كوخ من قوالب الطوب المرصوصة، التي تعجز عن الصمود أمام أي ضغط، ومع ذلك فهي لا تطيق أن يمس أحد النادي بكلمة، إلى بائع المثلجات الغبي - «أحمد زكي» ـ الذي يتحول الدلو الذي يبيع فيه مثلجاته إلى سلاح في الدفاع عن النادي، والانتصار له. وتتفجر السخرية المريرة، داخل هذا الفيلم الجميل ببساطة وتلقائية، عبر التناقض الذي تعمده بين عالم المقصورة الفانتازي، بسياراته الفارهة، وملابسه الموحدة، وكلابه المدربة ورجال أمنه المتوحشين، وذكائه القارح، وكذبه الفاضح، وعواطفه المزيفة وبين عالم الدرجة الثالثة، بواقعيته القحة، ونماذجه البشرية التي تشعر وكأنها جاءت مباشرة من الشارع إلي الشاشة لتعيش معك، لا لكي تمثل عليك ومعها «طبلية» السمين ودلو المثلجات، وتلال الهموم والأحلام الإنسانية، والأهم من ذلك عواطف حقيقية تجاه النادي ورغبة عارمة في افتدائه، وحلم لا يهتز بانتصاره، فإذا ما تحقق هذا النصر بعد طول العناء، حبس بائع المثلجات الفقير لأنه احترف سرقة الكأس ليبيت في حضنه يوما واحدا، فما فعله هو خروج على تقسيم الأدوار الذي يقضي بأن تحقق الدرجة الثالثة النصر، لا أن تأخذ شيئا من ثماره حتى لو كان مجرد تحسس الكأس إلى أن يصل الصراع إلى ذروته، ويحين الوقت الذي يضيق فيه جمهور الدرجة الثالثة، بما تفعله به نخبة المقصورة، وبدلا من أن يحارب دفاعا عنها يحارب دفاعا عن النادي وعن نفسه فتتصدى لهم جيوش المقصورة المدججة بالعصي والدروع لنكتشف لحظتها، أن الصراع المحوري في الفيلم، هو تنويع على الصراع التاريخي بين النخبة التي تقود الوطن، أو الأمة أو المعمورة، والتي تعتقد - وتدفع الآخرين إلى الاعتقاد - بأن الأقدار قد اختارتها لمواهبها المتفردة وعبقريتها الخاصة، لكي تقوم بدور القيادة والتوجيه، وأداء كل ما يعجز عنه هذا الزحام من البشر، الخالي من المواهب والقدرات، ممن يصارعون بضراوة، من مكانهم المقدر لهم في الدرجة الثالثة، لكي يحصلوا علي حقهم المشروع من ثمار النصر. ربما كان ذلك هو السبب الثالث لبحثي عن الفيلم، لأعيد مشاهدته إذ بدا لي أفضل وأعمق تعليق سياسي عما يجري عندنا ومن حولنا .. ولعله - كذلك- السبب في أنني رغم كثرة بحثي في القنوات، وحتي في واجهات دور سينما الدرجة الثالثة.. لم أجد له أثرا. ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها