النسخة الورقية
العدد 11029 الخميس 20 يونيو 2019 الموافق 17 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

«الربيــــــــع العــــــربي» و«أنـــــا»

رابط مختصر
العدد 8264 الجمعة 25 نوفمبر 2011 الموافق 29 ذو الحجة 1432

رغم أن عنوان هذه السطور وموضوعها قد يبدوان ذاتيين، إذ أنتوي عرض مواقفي وهمومي وهواجسي إزاء أخطر مراحل تاريخ منطقة الشرق الأوسط في العصر الحديث، أي إزاء الشطر الأول من العنوان وهو ما اصطلح على تسميته «الربيع العربي»، إلا أن الشطر الثاني وهو «أنا» إذا ما وضحنا وحددنا من هو هذا «الأنا»، سنجد أنه لسان حال الكثيرين، وإن لم يكن بالقطع لسان حال الجميع في هذه البقعة من العالم، لو انتقلنا إلى ما يسمى «الربيع العربي»، سنجد أن شعارات بداياته في مختلف بلدان المنطقة تختلف عما نرصده من نتائجه المبدئية وتداعياته، فهو يبدأ دائماً برفع شعارات الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وما يفهم ضمناً أنه رغبة في الانتقال من تخلف العصور الماضية، إلى رحاب الحداثة والتنمية، ومن الانغلاق أو الانكفاء على الذات إلى الانفتاح على العالم وحضارته وقيمه، سعياً للالتحاق الإيجابي بمسيرة تأخرنا طويلاً عن الالتحاق بها. لكن ما ظهرت تباشيره في تونس وليبيا، وما يتوقعه كثيرون لمصر، بالإضافة إلى ما نتخوف منه أيضاً في سوريا، هو حدوث ردة عما تحقق لشعوب المنطقة حتى الآن من منجزات حضارية وحداثية، فعندما يستهل رئيس المجلس الانتقالي الليبي خطاب التحرير ببشرى تعدد الزوجات للرجال الليبيين الذي دفعوا ضريبة الدم باهظة من أجل التخلص من استبداد العقيد المجنون، لابد وأن ينتابنا الذهول من رخص الثمن وربما تفاهته، مقارنة بالتضحيات الهائلة للشعب الليبي، ووقوف العالم إلى جانبهم، ليس بالطبع من أجل تمتعهم بتعدد الزوجات، وإنما من أجل تمكينهم من الالتحاق بعالم «الحرية والحداثة والكرامة الإنسانية»!! الأقليات في العالم العربي وفي مقدمتها مسيحيو الشرق ومنهم كاتب هذه السطور، ساروا مع الثوار المتظاهرين يهتفون «للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية»، ثم يجدون أنفسهم الآن مهددين بدفع الجزية، ليفقدوا مكتسباتهم خلال قرون عديدة، وكأنهم سعوا لتسلق جبل الحرية، فوقعوا لتنكسر رقابهم في هاوية عبودية سمعوا فقط عن حكاياتها المريرة في كتب التاريخ. التباين إذن شديد بين المقدمات والنتائج المتحققة أو المتوقعة، وكذا التباين في مواقف الأفراد المترتبة على اختلاف انتماءاتهم، ولهذا بالتحديد استعرضنا مختلف انتماءات، على أساس التأكيد على تعدد انتماءات الشخص الواحد، ذلك التعدد غير المتنافر ولا المتعارض، حيث تصورنا الأمر على هيئة دوائر تستغرق في بعضها البعض، تبدأ من دائرة الانتماء الإنسانية الشاملة، وتنتهي بالانتماء إلى جماعة صغيرة دينية أو عرقية، بحيث لا يكون اعتزاز وتمسك الفرد بالانتماء إلى أي دائرة منها يعني الخروج من سائر الانتماءات الأخرى. ما يحدث ونرصده الآن من تباين شديد للجمهور تقييماً لحركة «الربيع العربي» ونتائجه ناتج عن حصر الإنسان لتفكيره وتحديد موقفه بناء على انتماء لدائرة واحدة من تلك الدوائر المتعددة، وتجاهله لحقيقة انتمائه لأكثر من دائرة أخرى. لنبدأ بمسيحيي الشرق، ولنأخذ مثال مصر وسوريا. . قد نجد منهم من يفضل حكم البعث الأسدي الذي يحميهم من عسف الظلاميين بهم، كما نجد بين الأقباط من يترحم على حكم مبارك رغم ما حدث لهم في عهده، تخوفاً مما هو أسوأ ويتم تهديدهم به علانية ومن قبل من يطمحون لرئاسة الجمهورية، بل ويجدون شخصاً مثل د. محمد سليم العوا، من كان معنياً بتحريض الدولة والمسلمين على مواطنيه الأقباط، يطمح الآن في أن يصل إلى رئاسة الجمهورية، ولنا أن نتخيل معهم ما سوف يحدث للأقباط إذا ما نجح هذا، أو ذاك الذي أخبرهم بمبلغ الجزية مقدماً، والذي طمأن المصريين بأن تنظيم القاعدة لن يقوم بتفجيرات في مصر، مادام سيقوم فضيلته في حالة توليه رئاسة الجمهورية بتطبيق كل ما ينادي به تنظيم القاعدة!! لو ركزت أنا بصفتي واحدا من الأقباط على انتمائي لدائرة الانتماء الديني فقط، فبالتأكيد سوف ألعن «الثورة» و»الشتاء «وليس الربيع» العربي». . وكذا الأمر في سورية، فقد أرى أن «نار مبارك أو الأسد ولا جنة أيمن الظواهري»!!. . لكنني إذا انتبهت إلى سائر دوائر انتمائي، الدائرة الوطنية والشرق أوسطية ودائرتي الحداثة والإنسانية، فلن أقبل أن أظل إلى الأبد تحت نير تلك الأنظمة المستبدة التي تسبب العقم والتخلف في المنطقة، بل وهي المسؤولة عن نمو واستفحال تلك النزعات الإجرامية الوحشية المستترة بالدين. . لن أقبل أن أظل أسير ماض وحاضر بلا حرية ولا كرامة ولا تقدم لأنني أخشى مواجهة ما لابد وأن نواجهه يوماً ما، بل وبالتأكيد ستكون مواجهته اليوم أفضل من الغد، لأنه لابد وأن يكون عندها أكثر توحشاً!! نفس هذا يقال عن الذين يركزون على الانتماء الوطني أو الحداثي، والذين قد يرون حركة «الربيع العربي» بمثابة تقهقر أو تراجع عدة خطوات للخلف من منظور الحداثة، فقد نفقد نظمنا شبه العلمانية، لنقع فريسة نظم تعود إلى أربعة عشر قرناً خلت. . هؤلاء لو انتبهوا إلى «دائرة انتمائهم الإنساني» لابد وأن يلحظوا أن مسيرة الإنسانية كانت تتطور دوماً عبر التفاعل والصراع، وأن الحضارة كانت بوجه عام هي المنتصر النهائي، وأن أخطر ما أحدثته نظمنا الشرق أوسطية المستبدة كان تجميد الصراعات المجتمعية، وهي الحالة التي استغلتها التيارات الظلامية لتنمو وتتوغل تحت السطح، فيما ماتت أو اختنقت وضمرت قوى وتيارات الحداثة، وأن الحل الذي لا حل غيره هو رفع الغطاء الثقيل من فوق الجميع، ليجري الصراع في الهواء الطلق. . نعم قد نمر بفترات صعبة وأحداث مأساوية، وقد تشكل هذه ثمناً باهظاً لا نحب أن ندفعه، لكن إذا ما قارنا الثمن الذي نتهيبه بقيمة الحرية وروعة التحضر والحداثة، سيكون من الجبن والخسة عندها أن نختار التخلف والقهر، لأننا نبخل بدفع ثمن «الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية»!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها