النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ما سقط من تقرير بسيوني

رابط مختصر
العدد 8261 الثلاثاء 22 نوفمبر 2011 الموافق 26 ذو الحجة 1432

سينشغل الناس منذ يوم غدٍ الأربعاء موعد تسليم تقرير اللجنة البحرينية لتقصّي الحقائق بما سيكتبه بسيوني وما سيتضمّنه تقريره المنتظر. أما أنا فسأنشغل بما لم يدوّنه التقرير وما لم يُشرْ إليه في فصوله. ليس رغبة منّي في السير بعكس الاتجاه ولا حبّاً منّي لمخالفة المألوف، ولكن رغبة منّي في أن أضع يدي على ما لا تريد الأيادي أن تتطاوله، وعلى ما يغيب عن الأعين، وما لا تلتفت إليه وسائل الإعلام بشتّى أنواعها. سوف أحكي عن الحبّ الذي لم يجد له موطئاً خلال الأشهر الثماني الأخيرة وسط موجات الكراهية التي أتت على كلّ العلاقات الإنسانية وجرفت معها ما تبقّى في نفوس الناس من ودّ وترابط واحترام وتواصل، ولم يجد معها الحبّ سوى أن يرفع رايته البيضاء وأن يؤجّل قصص الحبّ إلى العام الذي يليه لعلّه يجد تربة خصبة ليُزهر الحبّ وتمتدّ فروعه ويستظلّ الناس بظلّه مثلما تعوّدوا دائماً خلال العقود الماضية. سوف أحكي عن حكايات الحبّ التي وئدت قبل أن تولد، وحكايات الحبّ التي توقّف قطارها حين هجم عليها غدراً قطّاع الطرق العصريون الذين يختبئون خلف أجهزة الكمبيوتر وألواح الكيبورد وقطعوا الطريق أمامها، وأحالوا أغاني الحبّ المظللة لحبّهم إلى أناشيد جنائزية وجوقات لا تتقن العزف إلا على الجراح ولا تعرف من المواويل سوى مواويل الكراهية والبغض والحقد. سوف أحكي عن الأطفال الذين كنّا نعلّمهم مفاهيم الإنسانية ونحثّهم على التعامل مع المسيحيين واليهود والبوذيين بكلّ احترام وتقدير وعدم الإساءة لهم، وإذ بهم بعد الأزمة تتسّرب إليهم عبارات التخوين والازدراء والتحقير التي صار كلّ واحد منهم يوجّهها للطفل الآخر. وما عاد الآباء والأمهات مثالاً لدى الأطفال في الحبّ بل أصبحوا أسوأ مثال لهم في وضع التقسيمات الجاهزة والأوصاف القبيحة لأبناء الوطن الواحد. سوف أحكي عن أصحاب المشاريع الصغيرة الذين قضت الأزمة على أحلامهم الصغيرة، وفتتت عزائهم وأطفأت حماستهم بسبب قطع الطريق وسدّ المنافذ وبسبب المقاطعة التي عمّقت الجراح ووسعت الشرخ الطائفي وبسبب خوف الناس على مصادر رزقها وخوفها من المجهول القادم. أولئك الذين يحلمون أن تتعدّد مصادر دخلهم إذ بهم يقفون على خطّ الفاقة ويعودون للحال التي كانوا عليها وأسوأ، وهم لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما حصل وما سيحصل. سوف أحكي عن التشمّت بالموت وبالجروح والتندّر بالآلام وببكاء الأمهات، بعد أن كان ما يؤلم السنّي في العقود الماضية يتألّم له الشيعي، وما يفرح الشيعي يفرح له السنّي، إلى أن أتت الأزمة لتعلّمنا كيف نطرب للموت ونفرح للجرح ونبتسم شماتةً في المتألمين، ونضحك لإغاظة المفجوعين. من غير أن ندرك كيف سيكون حالنا بعد أن ينفضّ السامر وتُطوى صفحة الأزمة، وكيف سينسى المفجوعون من كلّ طرف من تندّر بفجيعتهم ولم يُعر وزناً لآلامهم ودموعهم. بعد أن تغادر هذه البلاد يا بسيوني اكتب ما لم تكتبه في تقريرك. اكتب عن الشعب الذي كان على وشك أن يلفظ التطرّف والمتطرّفين، وإذا بالأزمة تنصّب المتطرّفين قادة يقودون معسكرات الحقد والكراهية ويتصدّرون التجمّعات والاعتصامات، وإذا بنا نرى المحاربين للطائفية ينقادون وراء لواء المتطأفنين والحاقدين ويتبنّون شعاراتهم ويهتفون بهتافاتهم ويتناوبون معهم في لحاهم وعمائمهم وأشمغتهم وعباءاتهم. اكتب يا بسيوني. اكتب عن الاعتدال الذي قتله المأزومون غدراً، وعن المعتدلين الذين أصيب اعتدالهم في مقتل غداة الأزمة، حتى تحوّلت البحرين إلى معسكرين طائفيين كبيرين، أما المعتدلون الذين حافظوا على اعتدالهم فقد كانوا يتلّقون الضربات من المعسكرين، ولم يجنوا من اعتدالهم سوى التخوين من الطرفين والشكّ في نواياهم، ولم تعد أصواتهم مسموعة وسط جوقة المطبّلين والمزمّرين والمنتشين بالبطولات الوهمية والزاعقين بنداءات الحقد والكراهية. اكتب يا بسيوني عن خسائرنا التي لم تضمّنها تقريرك. فهل هناك خسارة أكبر من خسارة الإنسان الذي بداخلنا؟ وهل هناك تعدٍّ أكبر من التعدّي على عواطفنا واستنزاف مشاعرنا؟ وهل هناك من جريمة أكبر من استلاب صوتنا واختطاف مواقفنا واقتلاع آخر نبتة يانعة من نبتات حريتنا؟ حتى أصبحت طيبتنا التي يحسدنا عليها العرب مجرّد كذبة بعد أن جرّدتنا الأزمة من إنسانيتنا وأيقظت الوحش الذي بداخلنا، ولم نعد نجيد غير لغة الدم والنهش والذبح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها