النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

حبْسة ظلومة!

رابط مختصر
العدد 8250 الجمعة 11 نوفمبر 2011 الموافق 15 ذو الحجة 1432

لا أتذكر آخر مرة شعرت فيها بالفرح الخالص وأنا استقبل أيام الأعياد، والغالب أن ذلك قد حدث حين غادرت طفولتي واستقبلت صباي، ولأكتشف أن العيد بالنسبة للصغار فرصة بلاحدود، ولكنه بالنسبة للكبار هدنة مؤقتة من الهموم، واستراحة قصيرة من المشاغل والمشكلات. وكان جدي لأبي هو أكثر أفراد أسرتنا اهتماما للعيد، فإذا كان منتصف رمضان، أو الأسبوع الأخير من ذي القعدة، عاد من البندر وهو يحمل لفائف من الورق، يعطي كلا منا نحن أحفاده - واحدة، ومعها قبله، فنتخاطفها فرحين، ونجري إلى الخياط الوحيد في قريتنا فيدون اسم كل منا ومقاساته على حواف قطعة القماش، ونظل نتابعه إلي ما بعد صلاة عشاء ليلة العيد، إلى أن يتسلم كل واحد فرحته، وينام وهو يحلم بالصباح الذي يخطر فيه بين أصحابه، وهو يرتدي جلبابا جديدا ويضع على رأسه طاقية من القماش نفسه. وقبل عيد الكحك بأيام «عيد الفطر»، كان جدي يعود من البندر وهو يحمل فطرة العيد: أكياس من البلح والبندق واللوز وعين الجمل، وعلب من الملبن والملبس، يقوم - ونحن نحيط به في باحة الدار- بتقسيمها إلي حصص متساوية، لكل ابن وزوجته وأولاده، ولكل ابنة وزوجها وأولادها حصة، ويسلم أكبر أبناء كل منهما حصته، فيجري بها إلي أمه، لتستجوبه هو واشقاءه حول النصيب الذي خص الآخرين، حتي تتأكد أن التوزيع تم بالعدل والقسطاس! في الصباح المبكر من يوم العيد تذهب نساء الأسرة، وهن يرتدين ملابس سوداء، إلى المقابر لقراءة الفاتحة عل أرواح الموتى، وتوزعن «الرحمة» على الفقراء، وجلسنا نحن الأطفال - في المضيفة - ننتظر عودة الأباء والأعمام والأخوال من صلاة العيد، فإذا وصل أولهم أحطنا به، وقبَّل كل منا يده فيخرج من جيبه رزمة صغيرة من أوراق النقد فئة الخمسة قروش، ليعطي كلا منا واحدة، نتأمل نقوشها في إعجاب ونشم رائحة حبر الطباعة التي لم تغادرها، ونضعها بحرص في جيوبنا حتي لا تنثني حوافها. ولأنني لم أكن أعرف في البداية فيما أنفق هذه النقود، فقد كنت علي عكس الأطفال الأكبر سنا ومنهم أخي وأولاد خالي، أجري إلى أمي لأعطيها الورقة فئة القروش الخمسة فتعطيني قطعة ملبن أو ملبسة، وتؤكد لي أنها سوف تضيف إليها ما يكمل ثمن شراء عجلة أو معزة باسمي ثم تدفع بها إلي أحد الفلاحين ليربيها لأصبح بعد عدة أعياد صاحب قطيع من الماعز أو الجاموس يدرَّ عليَّ أضعاف ما دفعته فيه من عيدية! وفيما بعد عرفت أن هناك مصارف أخري للنقود، غير شراء المعزة أو عجل الجاموس، حين ركبت ذات عيد القطار مع أخي وأولاد خالي إلى البندر، وطفنا بأسواقه وأكلنا سندوتشات فول وطعمية، ودخلنا السينما، وشاهدنا «بدر لاما» في فيلم «الهبوب ملك الصحراء» ومنذ ذلك الحين توقفت عن إعطاء عيدتي لأمي على الرغم من أن المعزة كانت قد انجبت عدة بطون، وأن العجل كان قد أصبح جاموسة تحمل في بطنها عجلا، ومنذ أن اكتشفت أن الكتب القديمة تباع علي سور الأزبكية بما لا يزيد علي قرش أو قرشين، أصبحت أزوره بعد كل عيد لأشتري بعيديتي كلها كتبا لطه حسين والمنفلوطي وجورجي زيدان والمازني وأحمد حسن الزيات وأجاثا كريستي وإسكندر ديماس الأب والابن. ومع الزمن ورحيل جدي وتشتت الأسرة بين القاهرة والمدن الأخري بحثا عن الرزق، بدأ عدد الذين يحرصون علي قضاء العيد في القرية من أفرادها يتقلصون، حتى لم نعد نلتقي إلا في الجنازات والمآتم، ولم يعد أحد يعطيني عيدية، وأصبح يوم العيد يمر كأي يوم من أيام الإجازات. وذات شتاء من عام 1966، استمعت إلى تكبيرات العيد تقتحم الزنزانة التي كنت أقيم بها في معتقل طرة السياسـي، فهجمت عليَّ ذكريات العيد ووجه جدي وهو يوزع الفطرة، والنشوة التي شملتني وأنا أشاهد فيلم «الهبوب ملك الصحراء» وكتب سور الأزبكية التي قادتني إلى الزنزانة، وكان الجميع حولي يغطون وجوههم بالبطانيات ويتظاهرون بالنوم، ولكني كنت واثقا أن حزنا ممضا كالذي أشعر به يعتصر قلوبهم. ولابد أن محاولة التخلص من هذا الحزن، هي التي قادتنا إلى أن نطوف بارجاء المعتقل ونحن نغني أغاني من نوع «طلعت يا محلا نورها شمس الشموسة» و«الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية» وغيرهما من ألحان «سيد درويش» إلى أن وصلنا إلي لحنه الشهير «التحفجية» الذي يقول في مطلعه « يا مشاء الله علي التحفجية أهل اللطافة والمفهومية» فوقفنا أمام المقطع الذي يقول «بس الأكادة الحبسة ظلومه.. يكفينا شَرك يا دي الحكومة» فأخذنا نكرره بحماس وسخرية - وقد أحاط بنا بقية المعتقلين إلي أن تصاعد الحماس لدى أحدنا، فغيره إلى «بس الأكادة حبسه ظلومه.. يلعن أبوكي يا دي الحكومة» فعلت أصواتنا ونحن نردده خلفه لتتحول الأغنية إلي نشيد ثم إلي هتاف مدوٍ .. لحظتها فقط تنبه ضباط المعتقل إلي خطورة ما نقول ومايسمعون .. فصدرت الأوامر بإعادة كل المعتقلين إلي زنازينهم ليمضوا بها بقية أيام العيد!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها