النسخة الورقية
العدد 11025 الأحد 16 يونيو 2019 الموافق 13 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:15AM
  • الظهر
    11:38PM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

الصدام المفتعل في مدينة التسامح

رابط مختصر
العدد 8240 الثلاثاء 1 نوفمبر 2011 الموافق 5 ذو الحجة 1432

لا شك أن السلوك العام في أي مجتمع يعكس الحالة الاجتماعية التي يعيشها أبناؤها، وتصور النفسية التي وصل إليها شبابها وناشئتها، فإذا التزم المجتمع بالقانون ظهر ذلك في سلوكيات أبنائه، بناءً ونماء وإصلاحاً، وإن تجاوز ذلك إلى ثقافة كسر القوانين ومخالفة الأنظمة واللوائح أصبح لا يعبه الفرد حينها بالآخرين الذين يعيشون معه ويشاركونه في محيطه، فلا تضبط سلوكياته في المواقف الصعبة لأنه لم يعتد احترام القانون في أيام السلم. فالمجتمع الذي تنشر فيه ثقافة العنف والصدام والاحتراب من خلال دعوات التحريض والتأجيج الطائفي والمذهبي نحو الكراهية تسوده أنواع من التوترات والتشنجات المجتمعية، وتظهر عليه علامات العدوانية للآخر المختلف، فيعيش وهاجسه الخوف والدفاع عن الذات، فالمجتمعات الجاهلية كانت بطبيعتها تعيش حالة من الصراع والصدام مع الآخر، وذلك للثقافة السائدة حينها، فأنتجت خطابات التحريض وقصائد التأجيج لإثارة النفوس واستنهاض الهمم، حتى جاء الإسلام فهذب تلك النفوس ورشد خطاباتها، وحول صراعاتها التي قد تنشب بسبب ناقة عند مورد ماء، أو فرس في حلبة سباق، إلى سلوكيات إنسانية راقية، فقد أرسى الإسلام في عقلية أتباعه دعائم حقوق الإنسان، وأسس التعاون والتعايش والتسامح مع الناس، مهما اختلف معهم في الفكر والأيدلوجية، ولعل خطبة الوداع أكبر الشواهد حين قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم،.. فلا ترجعن كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). من هنا فإن منطقة المحرق التي شهدت في الأسبوع الماضي حادثين غريبين في أسلوبهما وتوقيتهما، وهي من المدن التي تتميز بالتنوع المذهبي والعرقي، ففي المشهد الأول مجموعة ملثمة تخرج صباحاً لتتعدى على الشارع العام الذي يستخدمه أبناء الدائرة، فتغلقه بالحجارة والأخشاب والزيوت وتعطل مصالح الناس اليومية، من عبادة وتسوق وعبور، ثم ترسل ما قامت به من أعمال إجرامية وإرهابية عبر أجهزة الاتصال الرقمي ومراكز التواصل الاجتماعي لتؤكد على جريمتها وتحديها للمجتمع، لتتوالى بعدها ردود الفعل تحريضاً وتعبئة للآخر المختلف مذهبياً، لتمزيق اللحمة الوطنية التي عاش عليها أبناء هذه المدينة (المحرق)، بينما أن القضية في أصلها وجذرها وأسبابها أن هناك من يريد زعزعة الأمن والاستقرار بالمحرق، وهي المدينة التي تصدت لكل الأطماع التوسعية في المنطقة، وأفشلت كل المخططات التآمرية لتغير هوية أبنائها، الغريب أن فعاليات المجتمع وعلى رأسها الجمعيات السياسية وقفت موقف المتفرج دون أدنى بيان يستنكر هذه الأعمال الإجرامية التي تهدف إلى جر المحرق إلى مستنقع الصدام المذهبي، وتصوير المشهد بـأنه صراع طائفي، فمن قام بهذه الأعمال ليس له من مشروع سوى تأجيج الطائفية وتغير هوية أبناء المنطقة. المشهد الثاني وهي الاصطفاف الطائفي الذي جرى بالمنطقة القديمة، فهي من الأمور الغريبة على أبناء هذه المدينة، وكأن هناك فريقين يخوضان معركة تاريخية قائمة على التعبئة التاريخية!، فما جرى إنما هو تهييج لمشاعر الناس ودعوتهم للاحتراب باسم الدين، والدين منها براء!. الواقع أن الحادثين قد أوجدا حالة من التوجس والتخوف من المستقبل، فإن غياب الفعاليات المجتمعية عن الساحة، وظهور جماعات التطرف تعتبر ظاهرة خطيرة، لا بد لها من وقفة جادة لإعادة المياه إلى مجاريها، فهذه المنطقة (المحرق القديمة) بتاريخها النضالي والوطني والعروبي ترفض مثل هذه السلوكيات، فالمؤسف له حقاً أن نجد الصمت المطبق من القوى السياسية التي كان الواجب عليها تصدير بيانات الرفض والاستنكار لما جرى في الحادث الأول قبل أن يتطور الأمر، ثم السعي لنزع فتيل الصدام من خلال الحوار المباشر مع الأهالي الذين يعيشون في نفس المنطقة، فبدلاً أن نسمع دعوات التسامح السلم الأهلي والتعايش والتعاون نجد خطابات التحريض والتحشيد والتغرير. من هنا فإن المخرج لتلك الفتن المطلة على المحرق هي الجلوس على طاولة الحوار الصريح والمباشر، يجب أن يتداعى العقلاء والحكماء وأصحاب الرأي والمشورة إلى طاولة التسامح والتعايش، على أن توضع بينهم وثيقة المحرق للتسامح الديني والاجتماعي، بهذا يمكن لأهالي المحرق من التصدي لتلك السموم والأدواء القادمة مع مشروع تغير هوية المنطقة، فهل نرى تحركاً جاداً من الطرفين قبل أن يتلوث الجميع بسموم وأدواء الصراع الطائفي؟!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها