النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ورود أمـــام قاضـــي التحقـــيق

رابط مختصر
العدد 8240 الثلاثاء 1 نوفمبر 2011 الموافق 5 ذو الحجة 1432

جاء إلى لجنة تقصّي الحقائق ليسجّل حالته. قال لهم بأنه من أكبر المتضرّرين بالأزمة التي مرّت بالبلاد، وأنّه يودّ أن توثَّق حالته في صدر التقرير. وحين سرد قصّته كان نصف سرده كلاماً والنصف الآخر دموعاً وبكاءً حارّاً وشهقات. ولم يستطع القاضي الذي كان يسجّل قصته أن يكتم تأثّره ويتظاهر بالحياد ولم يقدر على مغالبة الدموع التي نزلت حرّى. لم يكن «أيمن» مفصولاً من عمله ولا موقوفاً، ولم يُحرق منزله ولم تُدهس رجل أخيه، ولم يُصب بطلقة نار ولا بزجاجة مولوتوف، بل كان تضرّره أكبر من ذلك بكثير. لقد قضت الأزمة على حلم حياته وأبعدته عن زهرة عمره، وقضت على قصّته الوردية الجميلة التي استمرّت سنتين مع زميلته في العمل «نسرين» والتي عوضاً عن أن تنتهي بالزواج انتهت بالخصومة والقطيعة. صرخ أيمن أمام قاضي التحقيق والدموع على خدّيه: «من يعوّضني فقد نسرين؟ هل تملكون تعويضاً عن الحبّ الضائع؟ من فُصل من عمله سيعاد إلى عمله، ومن أوقف ستنتهي فترة إيقافه، ومن أحرق منزله سيعاد إصلاحه وترميمه، ومن أصيب سيعالج وسيعود إلى ما كان عليه سابقاً، أما من يفقد حبيبة قلبه ومن تتقطّع الدروب الموصلة إليها كيف يتمّ تعويضه؟». كانت نسرين بالنسبة لأيمن الحلم الذي لم يحلم قطّ بمثله. وكان هو كذلك بالنسبة لها. وشاء الله أن يتوظّفا في نفس اليوم ويكونا بنفس القسم. ولم يتجاور مكتباهما فحسب بل تجاور قلباهما منذ الأيام الأولى، وعاشا قصّة حبّ جميلة طوال سنتين، شهد عليها زملاء العمل وباركتها العائلتان ولم يتبقّ سوى تحديد يوم الخطوبة، قبل أن تقع الواقعة. فضّل أيمن أن يكون زواجهما في الربيع، واختارت نسرين شهر مارس ليكون شهر العسل الذي تتفتح فيه أزهار حبّهما وتجري فيه جداوله. كان الجميع يتحدّث عن زواجهما المنتظر على أنه زواج بين زميلين في العمل، ولكن حين أتى فبراير بوجهه البشع وصورته الدميمة، سرعان ما انقلبت الرؤى وتبدّلت الموازين وصار الناس يتحدّثون عن زواج مستحيل بين فتى شيعي وبنت سنّية. هل نسيا في غمرة الحبّ هذا الاختلاف؟ أم أنّ الحبّ لم يكن يعترف بهذه التقسيمات إلا بعد ما أتى فبراير يختال ضاحكاً من جهلنا ومستخفّاً بآلامنا؟ هل اكتشفا فجأة أنهما من مذهبين مختلفين، وهل يمكن أن تكون قصّة الحبّ التي عاشاها سنتين مجرّد وهم سرعان ما نزل عليه مطر الأزمة ليكشف وجهه الحقيقي؟ زملاء العمل لم يعودوا زملاء، وأصبحوا منقسمين في كافتيريا العمل إلى معسكرين يتبادلان الهمسات والإيماءات. وأهل الحبيبين المباركون للحبّ لم يعودوا متفقين، ومكالماتهم التي كانت تمتدّ لساعات يومياً تقلّصت إلى دقائق، قبل أن تتوقّف إلى الأبد بعد أن اتصلت أم نسرين بأم أيمن لتخبرها بنبرة جادّة حاسمة: «ما عندنا بنات للزواج»! حاول أيمن بكلّ الوسائل أن يستردّ حبيبة قلبه نسرين، فطلب الحديث معها ولكنها لم توافق، وأرسل لها رسالة إلكترونية يشرح فيها أنّه لا دخل له بالسياسة ولا بالمواقف التي يتّخذها الشارع، ولكنها لم تُجب، وبكى أمامها حين صادف وجودها معه في المصعد وغادرت المصعد بعينين دامعتين دون أن يغيّر ذلك من موقفها. وبعد أيام طلبت الانتقال إلى قسم آخر يبعدها عن حبيبها السابق، ثم غادرت الشركة نهائياً إلى شركة أخرى لتقطع آخر ما يربطها بأيمن. وضع أيمن أمام قاضي تقصّي الحقائق صندوقاً كبيراً، وقال له: «ألا تسألون دائماً عن الدليل المادّي على الضرر الحاصل بسبب أطراف الأزمة؟ هذه هي الأدلة». فتح القاضي الصندوق فرأى الورد الذابل وعلب الهدايا والعطور وبطاقات الحبّ وصوراً تجمعهما. وقبل أن يعلّق القاضي بادر أيمن قائلاً: «هل هناك ضرر أكبر من أن أصحو كل صباح لأرى كلّ ما حولي يذكّرني بحلم حياتي؟ أليس ما أريك إياه الآن أدلّة مادية على الضرر الذي خلّفته الأزمة فيّ والجرح العميق الذي تركته في قلبي؟». وقبل أن يغادر أيمن مقرّ اللجنة التفت أيمن وقال للقاضي: «تأكّد أنّني لست المتضرّر الوحيد عاطفياً، وقصّتي ليست القصة الوحيدة التي فتكت بها الأزمة وقطّعت خيوطها، فهناك مائة أيمن ومائة نسرين نسجوا من عواطفهم أجمل القصص، وأتت الأزمة بمقصها اللعين على كلّ جميل نسجوه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها