النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

حول ظاهرة انتشار الهنود في العالم (2 من 2)

رابط مختصر
العدد 8238 الأحد 30 أكتوبر 2011 الموافق 3 ذو الحجة 1432

وفيما يتعلق بهنود دول شرق مثل أوغندا وكينيا وزامبيا وتنجانيقا وزنجبار، فقد بدأت هجرتهم إليها ابتداء من عام 1895، حينما هـجّرتْ بريطانيا نحو 37 ألفا، معظمهم من ولاية البنجاب، إلى تلك المناطق من أجل بناء خط حديدي يربط مـُمباسا التانزانية بـكمبالا الأوغندية. ولما كانت عملية البناء تلك شاقة ومحاطة بظروف طوبوغرافية ومناخية صعبة، فقد لقي آلاف الهنود المهجرين حتفهم أثناء العمل. أما من بقي منهم على قيد الحياة فقد استقر في تلك الديار وتكاثر، لكن دون أن يـُمنح حقوقا سياسية أو يـُسمح له بشغل الوظائف الحكومية، بل اتهم في أحايين كثيرة بتأجيج الأوضاع السياسية طلبا لديمقراطية مشابهة لتلك المعمول بها في وطنه الأصلي. وهكذا انتهى هنود شرق إفريقيا كباعة على الأرصفة أو كمالكين لمتاجر وضيعة. وباستقلال أوغندا في الستينات، رفضت السلطات منحهم جنسية البلاد أو هويتها، الأمر الذي دفع الكثيرين منهم إلى الاستفادة من وثائقهم البريطانية للهجرة إلى بريطانيا. أما من فضل البقاء فقد طاردته لوثة الجنرال «عيدي أمين» الذي قفز إلى السلطة في عام 1972، وبدأ عهده الديكتاتوري الأسود بتأميم ممتلكات كل الآسيويين وطردهم من أوغندا. ولا تختلف حالة المهاجرين الهنود في كينيا وتنزانيا وزامبيا عنها في أوغندا، إذ مورس ضدهم شتى أنواع التمييز بمجرد استقلال هذه البلاد، وهو ما أجبرهم على الهجرة إلى بريطانيا ليلتحقوا بمواطنيهم من أفراد الهجرات الأولى التي بدأت في الخمسينات والستينات من القرن العشرين. ومما لا شك فيه أن أفضل الظروف التي يعيش فيها هنود المهجر، هي تلك التي توفرها لهم دولتا أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) بدليل أنهما تجذبان ما بين 80 – 90 بالمائة من الهنود المؤهلين تقنيا ممن يعيشون في الخارج. وعلى الرغم من بروز بعض النزعات العنصرية ضدهم في السنوات الأخيرة بسبب جرائم وأحداث لم يكن لهم فيها يد، فإن المشهد العام يوحي بأنهم – منذ انتقالهم إلى هاتين الدولتين – يتمتعون بكامل حقوقهم، وينعمون بحياة مستقرة ودخول مجزية، ويشغلون مراكز مرموقة في حقول الطب والمحاماة والهندسة وتقنية المعلومات والأبحاث الفضائية والتدريس الجامعي. ويشير تقرير هندي صدر في عام 1994 إلى أن 20 بالمائة من خريجي معاهد التقنية الإلكترونية في بومباي مثلا استطاعوا أن يجدوا لهم وظائف في السوقين الأمريكي والكندي، وأنهم استطاعوا أن يراكموا ثروات خاصة بمعدل نصف مليون دولار سنويا. ومما أورده التقرير أيضا أن جل هؤلاء لا يفكر حاليا في العودة إلى وطنه بسبب ظروفه المعيشية والوظيفية الجيدة، وإن لم ينقطع عن إرسال تحويلات مالية منتظمة إلى ذويه في الوطن الأم. وأخيرا لا بد من الحديث عن هنود المهجر العاملين في دول الخليج العربية، والذين لا يكف البعض عن تناولهم بمناسبة ومن دون مناسبة، غامزين من قناة تحويلاتهم المالية الضخمة بالعملة الصعبة إلى ذويهم (علما بأن جل هذه التحويلات يعود إلى الخليج في صورة مدفوعات الهند لوارداتها من النفط الخليجي، ناهيك عن أن هذه التحويلات لا تمثل في أفضل الأحوال سوى 15 بالمئة فقط من إجمالي تحويلات الهنود المنتشرين في العالم إلى وطنهم) أو من قناة منافستهم للمواطنين في الاستحواذ على فرص العمل المحدودة والأنشطة التجارية الصغيرة، وبالتالي التسبب في رفع معدلات البطالة في صفوف الشباب، أو من قناة تهديدهم للهوية العربية. تعود هجرات الهنود الأولى إلى منطقة الخليج إلى ما قبل عقد الستينات، يوم أن كانت المنطقة تابعة إداريا لحكومة الهند البريطانية. وقتها، ورغم استعانة الجهاز المدني الاستعماري بالكثيرين من الهنود من ذوي الياقات البيضاء للعمل في إداراته الرسمية وشركاته النفطية، ورغم استعانة الكثيرين من أبناء الطبقة الموسرة بالهنود كخدم وموظفين، فإن أعدادهم لم تزد عن 150 ألفا شاملا أولئك العاملين في القواعد العسكرية البريطانية في عدن والعراق، وذلك طبقا لدراسة نادرة أعدها الباحثان «بريكس» و»سينكلير» ونشرتها منظمة العمل الدولية في عام 1980. غير أن هذا العدد الضئيل شهد ارتفاعا دراماتيكا مع الطفرة النفطية الأولى في منتصف السبعينات، قبل أن تتبعه ارتفاعات أخرى متتالية. فمن 300 ألف نسمة في عام 1973 إلى 2.15 مليون نسمة في عام 1993 فإلى 3.5 مليون نسمة في عام 2000 فإلى أكثر من 5 ملايين نسمة حاليا، لكن مع تغير واضح في نوعية العمالة المهاجرة. فالذين جاؤوا في البدايات كانوا مجرد عمالة منزلية أو باعة أو سائقين أو حلاقين أو خياطين، فيما اشتملت الموجات التالية على عمالة ماهرة في حقول التمريض والهندسة والطب والكهرباء والمحاسبة وتكنولوجيا المعلومات. والمعروف أن الحكومة الهندية شجعت مواطنيها على الذهاب إلى دول الخليج لأسباب كثيرة منها تعزيز روابطها بهذه الدول عبر تلبية احتاجاتها من العمالة لأغراض المشاريع التنموية، وحاجتها إلى تحويلات هؤلاء المالية من أجل رفد خزينتها من العملة الصعبة، وتخفيف الضغط على بنيتها التحتية، ناهيك عن علمها المسبق بحتمية عودة المغادرين يوما ما إلى وطنهم لاستثمار مدخراتهم في شراء المساكن الخاصة وتنمية قراهم، بسبب سياسات البلدان الخليجية المضيفة والتي تمنعهم من الحصول على الإقامة الدائمة أوالجنسية، أي خلافا لما يحدث في دول أمريكا الشمالية وأوروبا. وما يهمنا في الختام هو أن هنود المهجر، في مختلف الظروف والأوضاع والأحداث، كانوا ملتحمين مع وطنهم الأم في السراء والضراء، فلم يسجل مثلا أن أحدهم باع نفسه للأجنبي، أو تجنى بالباطل على بلده أو لفق الاتهامات والأكاذيب ضده، أو سخـــّر جهده لتهديد وحدته وسيادته. ومثل هذا الكلام نهديه إلى البعض ممن نسي أفضال البحرين عليه، وتجاهل ما تم استثماره فيه منذ نعومة أظفاره، وليته اكتفى بذلك، بل راح يبيع الوطن بأبخس الأثمان للأعداء والطامعين، ويعلن بملء الفم وعلى رؤوس الأشهاد استعداده للتماهي مع مخططات الأعداء من أجل مصالح فردية ومذهبية زائفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها