النسخة الورقية
العدد 11061 الإثنين 22 يوليو 2019 الموافق 19 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

ذهب الطاغية وتبقى التحديات

رابط مختصر
العدد 8237 السبت 29 أكتوبر 2011 الموافق 2 ذو الحجة 1432

«نحن كدولة إسلامية اتخذنا الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع، ومن ثم فإن أي قانون يعارض المبادئ الإسلامية للشريعة الإسلامية فهو معطل قانونا .. وأدعو الجميع إلى السير في الطريق القويم، أموالنا وأعراضنا ودماؤنا حرام، التسامح ونبذ العنف والحقد أمر ضروري لنجاح الثورة، أدعو كل الليبيين إلى الاحتكام إلى القانون ولا شيء سوى القانون، ما عليكم إلا بالصدق والصبر والتسامح».. هكذا دشن المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي كلمته فى إعلان تحرير ليبيا من براثن حقبة القذافي . وقال عبد الجليل إن ليبيا بدأت بذلك مرحلة انتقالية جديدة في عمرها تنطلق من خلالها إلى الحكم الديمقراطي. هذا هو طبيعة الحال في أعقاب انتصار الشعوب دائما على طغاتها، فتفرح وتهلل وتطلق الزغاريد والطلقات النارية احتفالا بالنصر المبين وغياب الدكتاتور، بيد ان الامر ليس سهلا كما يعتقد البعض، فبعد الانتصار وغياب الطاغية عن المشهد السياسي سواء هاربا او مخلوعا او مقتولا، سرعان ما تبدأ الحروب الشخصية والقبلية والسياسية والإقليمية والدولية لتقسيم الكعكة والتهامها. فبعد ربما دقائق من كلمة عبد الجليل الاحتفالية وسط انصاره فى بنغازي وتعهده بإقامة دولة ملتزمة بالشريعة الإسلامية، خرج الهادي شلوف (رجل قانون دولي ذو توجه مستقل واحد المرشحين لتولي الحكومة الجديدة) ليدحض كلام عبد الجليل عن مكافأة القبائل والثوار. فرأي شلوف ينحصر فى ضرورة التعجيل بتشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة على ان يستند الاختيار على الكفاءة والمهنية والخبرة وليس لمن قاموا بالقتال ضد قوات القذافي. فالدولة من وجهة نظر شلوف هى دولة مدنية لا تعتمد على القبيلة والمحاصصة المناطقية، ولكن على الكفاءة والعلم بما يعين الليبيين على النهوض ببلدهم فى الوقت الراهن وتحويله الى بلد راقي متحضر وديمقراطي، وليس فقط بلدا تسود فيه النعرة القبلية وهى السمة التى كرسها القذافي على مدى سنوات حكمه الـ 42 الماضية. واذا كان عبد الجليل الذي قاد المجلس الانتقالي خلال فترة الحرب وإقصاء القذافي، قد تحدث عن تكريس القانون وثقافة التسامح، فان الأهم امام الليبيين الان مسيرة طويلة من العمل المضني لبناء مؤسسات الدولة وهو ما يضعه شلوف فى المقام الاول من اجل تجاوز إهمال عهد القذافي لبناء الدولة الليبية الحديثة والتى تعيش فى حياة مظلمة رغم ثروتها النفطية الهائلة والتى ضاع الكثير منها على أهواء شخصية للقذافي وعائلته والمقربين منه. وربما اذا أردنا ان نعرف ماذا سيدور في ليبيا غدا، ان نعود الى تفكير بول بريمر الذي عمل مبعوثا رئاسيا للولايات المتحدة فى العراق عقب الحرب الأمريكية مباشرة وهو الذي شارك في وضع اول مشروع دستور عراقي بعد حقبة صدام حسين. فبريمر يضرب امثلة كثيرة على تشابه الأوضاع بين العراق وليبيا سواء في عهدي صدام حسين القذافي او بعد رحيلهما، فمثلا تم العثور على القذافي في أنابيب الصرف الصحي، وتم القبض على صدام حسين في حفرة، وهو يرى ان هذا هو دائما مصير الطغاة. ليس هذا فقط، فبريمر يكشف ان الشعب يؤمن بأن التغيير السياسي حقيقي ودائم لكن بشرط اختفاء الطاغية، لان الشعوب تخشى من أن يعود الديكتاتور إلى السلطة، وهكذا شعر العراقيون بالأمان والأمن فقط عندما شاهدوا صدام حسين يعدم، والحال كذلك بالنسبة لليبيين عندما تأكدوا من رحيل طاغيتهم مقتولا. بيد ان رحيل صدام حسين لم يبعث على تهيئة الأجواء الآمنة فى العراق، وكذلك يتوقع بريمر ان يكون فى ليبيا. فما يدعو للقلق بشأن الوضع الأمني هو انتشار عدد كبير من الميليشيات الناشطة في مناطق مختلفة من البلاد، فكما فعل صدام حسين في العراق سياسة فرق تسد، كان القذافي حريصا على التلاعب بالانقسامات القبلية والجغرافية لإرباك المعارضة. وتعكس الميليشيات الليبية في كثير من الحالات الولاءات القبلية كما اشرنا على لسان الهادي شلوف، وهناك خيوط قوية من التطرف الإسلامي منسوجة في بعض المجموعات. والسؤال :» من الذي يمتلك السلطة والقدرة على نزع سلاحهم؟ وما لم يتم إقرار نظام لنزع السلاح من المقاتلين، ستقع المتاعب لا محالة في ليبيا. ويدعو بريمر بما يشبه التأكيد على ضرورة وضع نظام سياسي جديد بسرعة، وهذا يتطلب نزع سلاح جميع المقاتلين بالتزامن مع وضع خطة كإطار عمل سياسي يمكن من خلالها بناء شكل حكومي والتأسيس لوثيقة تستهدف تعزيز سيادة القانون ليحل محل حكم الفرد المطلق، بما في ذلك نظام قضائي مستقل والحق في محاكمة علنية، وفي النهاية أقامة الدستور كبنية سياسية جديدة، مع برلمان من مجلسين ونظام فيدرالي. كل هذا لا يعنى استقرار الأمن، لانه وبعد ثماني سنوات، تواجه القوات العراقية صعوبة في الحفاظ على الأمن في بلادهم . وربما زاد بريمر من حجم المخاوف حين يتحدث عن التحديات التى تستلزم ضرورة تدخل الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية في ليبيا، في تكرار لنفس المشهد الأمريكي فى العراق. ويدعي بريمر ان هذا سيساعد في إحداث تغيير سياسي كبير في ليبيا، ومبرره لهذا التدخل هو ان تتولي أمريكا وأوروبا مهمة توفير الأمن الى حين تدريب قوة وطنية جديرة بالثقة ومجهزة، وهذا قد يتطلب قوى خارجية، ربما من حلف الناتو أو دول أوروبية مختارة. الأمر الثاني الذي يحدده بريمر هو ان تعمل بلاده وغيرها من الحكومات على توفير الموارد اللازمة لمساعدة الليبيين في بناء الأسس السياسية التي يمكن أن يرتكز عليها نظام لحكومة تمثيلية. وهذا ينقلنا التي التحديات الجديدة أمام المنتصرين فى ليبيا، اولها، كيفية التعامل مع الميليشيات المسلحة والجيش الليبي الذي حارب جزأه الأكبر الى جانب القذافي، وهل يتم اجتثاث قوات الامن التابعة للطاغية الراحل ام لم يتم المساس به لتجنب الخطأ الذى ارتكبته واشنطن ولندن بعد حرب العراق. فالدرس هنا يقضى بعدم تكرار الخطأ الذى ارتكب في العراق مع ضرورة تحقيق تسوية سياسية شاملة للأطراف والأمن والعدالة وتوفير الخدمات الأساسية واستئناف النشاط الاقتصادي. التحدي الآخر هو ضرورة تنحية الخلافات جانبا والعمل معا وحث الإدارة المؤقتة على تجنب الثأر من أنصار القذافي حتى يتم توفير الحماية الكافية للمدنيين وتسهيل مهمة تحويل ليبيا الى دولة ديمقراطية، لان هو الانتصار الاستراتيجي الحقيق ياي تتحول ليبيا الى دولة ديمقراطية في أسرع وقت. وثمة تحدي خطير يعمل حسابه الجميع ويتمثل في احتمال اشتعال الصراع على السلطة بين صفوف القيادة الليبية الجديدة المتشرذمة والمسلحة تسليحا جيدا بعد موت القذافي، ويدخل في هذا التحدي اختفاء سيف الإسلام أحد أكثر أبناء القذافي نفوذا وقوة والذي يملك أموالا طائلة وأسلحة متقدمة ستساعده قطعا في تجنيد أتباع مسلحين.. التحديات كثيرة امام رجال الحكم الجديد في ليبيا، فالعدو الذي وحد الثوار اختفي، وبالتالي قد يظهر عدو جديد وهو في الغالب الطمع في السلطة او الاستئثار بها، وهذا هو التحدي الأكبر أمام الليبيين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها