النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

خذوا الحكمة من أفواه الخدم

رابط مختصر
العدد 8233 الثلاثاء 25 أكتوبر 2011 الموافق 27 ذوالقعدة 1432

وصلت خادمتي بعد طول انتظار. لم تحمل من بلدها المترامي الأطراف سوى ما يكفيها لرحلتها التي استغرقت يوماً كاملاً متنقّلة بين أكثر من بلد. لا أدري لماذا اكتفت بحمل حقيبة صغيرة لا تتّسع سوى لثياب قليلة وصور عائلتها. ربّما فضّلت أن تكون الحقيبة بحجم البلد الذي ستحلّ فيه لمدّة عامين، أو لتعطي تأكيداً بأنّها لن تغافلنا في يوم وتحمل البلد في حقيبتها وتهرب مثلما فعلت الخادمات السبع الماضيات! إضافة إلى احتفالاتنا بأعياد ميلادنا وعيد زواجنا وعيد نزولنا في البيت الجديد فإننا لا ننسى أن نحتفل كلّ مرّة بقدوم خادمة جديدة، تحلّ على بيتنا «ترانزيت» قبل أن تختفي فجأة بعد أشهر لنجدها في مركز الشرطة أو في سفارة بلدها، ونبدأ رحلة البحث عن خادمة وتبدأ معها رحلة الأوراق والأختام والاتصالات ودفع المبالغ المالية. ها هي في السيارة الآن، تنظر من النافذة إلى البلد الذي تراه لأوّل مرّة وربّما سمعت عنه مرّات ومرّات من الخدم الذين يأتون إلى البلاد ويرحلون، ولا أدري ما إذا كانت الصورة التي تراها الآن مطابقة لما نقله لها الخدم؟ فهي صامتة منذ أن وطئت قدماها سيارتي، ولم تسألني أيّ سؤال بعربيّتها التي اكتسبتها من عملها في السعودية قبل سنوات. فضّلت أن أفتح معها حواراً يكسر الصمت. قلت لها: «نحن شيعة.. تعرفين ما معنى الشيعة؟». ردّت عليّ ببرود: «إي أعرف.. اشتغلت في سيهات». ولم أجد أنّ الموضوع قد عنى لها شيئاً. فعدت مرّة ثانية لأقول لها: «لا لا.. نحن سنّة.. تعرفين من هم السنّة؟» ردّت عليّ بانزعاج من حواري السخيف: «إي أعرف أعرف بابا.. اشتغلت في الرياض». فأصابتني الحيرة وقلت لها: «وأنت ما هو مذهبك؟ أنت سنّية أم شيعية؟». قالت لي: «بابا أنا مسلمة.. مسلمة.. يعرف شنو مسلمة؟ بس.. كفاية»! أشعرتني الخادمة بمقدار السخف الذي أحمله، فلا تعليمي الجامعي ولا قراءاتي المتعدّدة ولا حضوري للمحاضرات والندوات قد منحني رؤية الأمور بالمنظار الذي ترى منه خادمتي، فمازلت أنظر إلى الناس بحسب مذهبهم، فهذا سنّي وهذا شيعي. وها أنا أنجرف لما انجرف إليه مجتمعي فصرت أقسّم الناس ما بين شريف وخائن، ما بين مواطن ومجنّس، ما بين حرّ وبلطجي، ما بين متّبع لولاية الفقيه ومرتمٍ في أحضان السلطة. أما خادمتي فقد كانت أبعد نظراً منّي وأكثر اتزاناً، فهي مازالت تنظر إلى المسلمين كمسلمين دون النظر إلى مثل هذه التقسيمات. لم يكن يعنيها أن تحلّ خادمة على أسرة شيعية أو أسرة سنّية. لقد كان يهمّها أن تعمل وأن تكسب الراتب في نهاية الشهر لكي تبعثه إلى أبنائها الثلاثة في بلدها. أما السخافات التي انشغلنا بها خلال ثمانية أشهر وأغرقت بلدنا الجميل الوادع في صراع مرير ومماحكات لا تنتهي وسباب ولعن وتعسّف فهي لا تعني سوى السخفاء الذين لم يجدوا أيّ هم ينشغلون به فانشغلوا بأنفسهم وصاروا يكيدون لبعضهم ولم يعد بعضهم يطيق الآخر وصار كلّ طرف يخطّط لكي يرمي الطرف الآخر في البحر! لم يتبقّ على الوصول إلى البيت سوى شارع واحد. كان بودّي أن أعود أدراجي وأن آخذ خادمتي إلى زعماء الجمعيات السياسية من كلّ الأطراف لكي يستمعوا إلى ما تقوله، وليأخذوا منها الدروس والعبر، ولكي يعلموا أنّ الجوامع التي تجمعنا أكبر من الفوارق وأنّه لا فرق ما بين هذا الطرف أو ذاك، وأنّ بلدنا التي كانت كالجنة سنقلبها إذا استمررنا في صراعنا وتناحرنا وخلافاتنا إلى نار لا تُبقي ولا تذر. كان بودّي أن أذهب بها إلى ستوديو تصوير وأن أصوّرها وأضع صورتها في أكبر شوارع المملكة وأضع كلماتها الأثيرة على لوحات على امتداد الشوارع وهي تقول: «أنا مسلمة.. بس كفاية»، لأنّ زعماء جمعياتنا السياسية لم تعد هذه الكلمة تكفيهم، بل أصبحت تعنيهم التفاصيل أكثر من أيّ شيء آخر، وصار لزاماً على كلّ مواطن أن يعلن انتماءه الكامل والمطلق لهذا الطرف أو ذاك حتى يصبح في نظر هؤلاء مواطناً «كامل الدسم». حين وصلت إلى البيت كانت الخادمة تهمّ أن تحمل حقيبتها ولكنّي أبيت وحملتها بنفسي احتراماً لكلمتها التي قالتها والتي أشعرتني أنّ عليّ أن أخدمها لا أن تخدمني هي. فلقد قالت هي ما كان يتوجّب عليّ قوله والإيمان به منذ أن فتحت الأزمة جروحنا وفضحت سخفنا وضحالة فكرنا وانعدام ثقافتنا. واطمأنّت نفسي إلى أنّها لن تهرب. فنحن من يتوجّب علينا الهرب. الهرب من واقعنا الذي سقيناه التخلّف وكان الانشقاق ثمرته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها