النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11755 الإثنين 14 يونيو 2021 الموافق 3 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:11AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

القانون في الشمال و منطق السلطة في الجنوب

رابط مختصر
العدد 8233 الثلاثاء 25 أكتوبر 2011 الموافق 27 ذوالقعدة 1432

لو راجع كل منا قراءته الخاصة للتاريخ البشري، فلا شك أنه سيستصغر انجازاته. إن إنسان النصف الشمالي من الكرة الأرضية يــُعتبر أكثر سعادة من الناحية الإنسانية و المجتمعية. و قاسم تلك المجتمعات ليس ثراؤها المادي فحسب، بل وأيضا تسيــّد القانون الوضعي فيها على أي قانون آخر. وهذه المجتمعات – كما يعرف الجميع - هي الأكثر استقرارا و عطاء، والأوسع إسهاما في الإرث الإنساني اليوم. ولعلنا لا نبالغ لو قلنا أن هذا الوضع لم يكن وليد الصدفة، بل نتاجا لتراكمات محلية، وعطاء لأناس اختاروا تغيير واقعهم هربا من تجارب إنسانيه مؤلمة مروا بها مثل المجاعة و الحروب، أو تطلعا لبدء حياة جديدة خالية من التمييز والقهر. أما في نصف الكرة الجنوبي فحكاية الإنسان وأوضاعه مختلفة تماما عما في مجتمعات الشمال. فهنا – على الرغم من وجود بعض الومضات الإنسانية المتمثلة في صورة حراك الإنسان الطبيعي الحثيث من أجل تأكيد إنسانيته وتطلعاته، فإن الصورة العامة هي أن الإنسان – بغض النظر عن إثنيته أو ثقافته، وسواء أكان فردا أو جماعة - لا يزال خاضعا لإرادة السلطة في شكليها السياسي والديني مع كل ما ينجم عن ذلك من إهدار للموارد والطاقات وتعسف في قتل الطموحات والتطلعات. وفي اعتقادي أن هذا هو احد أهم العوامل التي أعاقت، ولا تزال تعيق، تطور مجتمعاتنا. وبكلام آخر، فإن إنسان الجنوب ليس سيد نفسه أو قبطان مصيره. فلا تشريعات تداوي هواجسه، ولا قوانين تقابل طموحاته، ولا برامج تعليمية تجذر هويته الوطنية وإنتماءه إلى أرضه، ولاخطط تحاكي ما يجري في الكون من متغيرات سريعة. ولنتخذ من الجريمة مثالا على كيفية التعاطي مع معضلات العصر! لا شك أن مجتمعات النصف الشمالي من الكرة الأرضية تشكو من الجريمة مع تباين معدلاتها وصورها وأساليبها من مجتمع إلى آخر. غير أن تلك المجتمعات نجحت في خلق وتطوير آليات للعلاج. كما أنها في حالة استفحال المشكلة لا تلجأ إلى المكابرة، وإنما تستعين، دون أدنى حساسية بخبرات المجتمعات الأخرى (سواء أكانت أكبر منها أو أصغر) في إيجاد الحلول الناجعة والمؤثرة. وهي في تعاطيها مع مثل هذه القضايا، تعتمد فقه الشفافية قدر الإمكان، وتقوم بتبادل الخبرات لإثراء التجربة الإنسانية، إلى حد وصل فيه الإنسان إلى التعاطي مع أمور حياته اليومية كقيم ثقافية متكاملة، و ليس كسلوك فردي اختياري. وهكذا وُجدتْ منظومة متكاملة من القوانين والضوابط ممثلة لإرادة المجتمع في سلوك الفرد. وهذا يتجلى بصورة واضحة في تمثل إرادة المجتمع في السلوك الكلي لكافة مكوناته. وهذا هو سر استقرار مجتمعات الشمال ونموها النوعي، وانتشار قيم لا تقبل العنف سبيلا لحل الخلافات السياسية والمذهبية فيها, فلم نسمع عن عمليات انقلابية مثلا. في جنوبنا المشمس لاتزال المؤسسات الرسمية تستغفل مجتمعاتها. فمعدلات الجريمة المعلن عنها أقل بكثير مما هي عليه في الشمال، والأمن والرخاء يعم الكل. ففي زيمبابوي مثلا، صار الرئيس «روبرت موغابي» هو الدولة والشعب والدستور والقانون، وحزبه هو الآمر والناهي والمتصرف في كل مقدرات وخيرات البلاد إلى الدرجة التي صار معه المواطن يترحم على أيام نظام الفصل العنصري بقيادة «إيان سميث» حينما كانت البلاد تـُعرف بـ «روديسيا الجنوبية». والصورة نفسها تكررت في أماكن أخرى من أفريقيا السوداء والبيضاء أيضا. ولعل أقرب الأمثلة هي ليبيا خلال سنوات حكم العقيد «معمر القذافي», وأوغندا في حقبة الماريشال المعتوه «عيدي أمين»، وزائير في ظل رئيسها المغرور «سيسيكوكو موبوتو». وبعض الأمثلة المتطابقة مع تلك الزعامات قائمة حتى إشعار آخر في أماكن أخرى مثل إيران واليمن. وتشتد الصورة قتامة بطبيعة الحال حينما يكون تعليم الصغار مرتكزا فقط على مدارس تحفيظ القرآن (كما هو الحال في مناطق شاسعة من باكستان وأفغانستان). فهنا يتم توظيف جزء كبير من المدارس في أعمال منافية للعقل والمنطق، بل ومنافية في الوقت نفسه لتعاليم الإسلام الصحيحة ومنطوق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وذلك لأن من يقوم بالتلقين والتحفيظ هو من الجهلة وأنصاف المتعلمين، أو ممن يسعى إلى أن يكون ظل الله على الأرض، أو ممن يريد المنزلة الرفيعة لنفسه بين الناس. كل هؤلاء لا يدخرون وسعا في تذكير البسطاء آناء الليل وأطراف النهار بأن أقرب السبل إلى مرضاة الله وجنته هو تقبل نصائح وتوجيهات وتفسيرات رجل الدين في القرية أو الحي. والمشكلة الأكبر هي أن الكثير من تلك المدارس البائسة بمعلميها ومناهجها تمول من قبل دول النفط الثرية في الجنوب. وهذه لعمري معضلة أخرى تتسبب فيها مجتمعات جنوبية متطورة نسبيا لمجتمعات جنوبية أخرى أقل تطورا، بمعنى أن الأولى بدلا من أن تنفق على تحديث وتطوير الثانية لتصبح أكثر إنسانية واتساقا مع متطلبات العصر، تساهم – من حيث تدري أو لا تدري – في تعميق المفاهيم القبلية والجهوية والمذهبية، وتساعد على تعلق المجتمع بالخرافات والأساطير والأوهام. والحقيقة أن هذا ليس بمستغرب طالما أن مجتمعات دول النفط الثرية نفسها لا تزال تناقش وتتجادل حول أمور تخطتها المجتمعات الأخرى وقطعت فيها أشواطا إلى الأيام مثل حقوق المرأة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن الثقافة القائمة ليست معتمدة على مفهوم «أن الإنسان سيد نفسه»، بل قائمة على «أن تحقيق الذات يعتمد على ما قسمه الله لك». والله براء من ذلك، لكنها آلية الإخضاع عبر منطق السلطة. وحتى عند إطلاق مبادرات سياسية إصلاحية من قبل السلطة، فإن العائق الأول يتمثل في عدم تقبل المؤسسة الدينية لذلك، انطلاقا مما تدعيه من أنها الجهة الوحيدة المخولة بتفسير الشرع، والمصدر الأوحد للتشريع، والضامن الأول لبقاء واستمرارية النظام السياسي القائم. لذا فإن على النظم السياسية اليوم أن تدرك أن انعتاقها من أسر وقيود المؤسسة الدينية هو الضمانة الوحيدة لتحقيق إنسانيتها وتمدنها وبلوغ مجتمعاتها مراتب الأمم المتقدمة. والسؤال الذي يلح بعد كل ما تقدم هو: هل سيأتي اليوم الذي تحتكم فيه المجتمعات البشرية إلى منظومة من القيم المشتركة؟ ربما كلنا يصبو إلى ذلك أو يتمناه، لكن هناك من الأحداث والأمثلة الحية هذه الأيام ما يشير إلى العكس. خذ مثلا حجم التأثير المباشر لمصر، لو تمكن هذا البلد الكبير بطريقة حضارية من توظيف التحولات السياسية والاجتماعية لثورتها الأخيرة في العالمين العربي والأفريقي. غير أن ما حدث على أرض الواقع هو ان قيم المجتمع الذي صنع الثورة وقادها تحللت وتفسخت بأبشع الصور. وهل هناك بشاعة أكثر من ظواهر الانفلات الأمني، والبلطجة، ودوس القانون، والصدامات المسلحة ما بين المكونين الدينيين الرئيسيين في البلاد (المسلمين والأقباط). طبعا سيخرج علينا محللو الفضائيات ليتحدثوا عن عوامل كثيرة ساهمت في انحراف الثورة عن مسلكها السلمي المتحضر، وسيكتب آخرون معللين السبب بالتراكمات الاجتماعية والسياسية، أو بالاحتقانات الطائفية التي وُظفتْ أو استغلتْ سياسيا، أو بالمؤامرات التي تحاك في الدوائر الغربية والصهيونية. لكن لن يتطرق أحد بالتأكيد إلى جزئية مهمة جدا من وجهة نظري هي الثقافة السائدة في المجتمع والتي لا تركز على مفهوم المواطنة وثقافة المواطنة، وإنما تركز على معتقد الفرد والجماعة الديني! إن المسيحية في مصر هي أقدم الديانات السماوية، والمصريون أصحاب حضارة عريقة، ولهم تاريخ حافل في مختلف الفنون والعلوم، وخرج من بين ظهرانيهم من جاوزت شهرته آفاق الدنيا (وما فوز اثنين من أبناء مصر بنوبل الأدب والكيمياء، إلا دليل على ما نقول). غير أن كل هذه الحقائق لم تستطع أن تخلق القوى الصحية الممثلة للمجتمع المدني، من تلك التي تستطيع أن تلعب دورا مباشرا وطليعيا في معالجة الاحتقانات. ولا هي استطاعت أن تخلق قوى وأحزابا وتنظيمات سياسية رصينة ورشيدة وعاقلة ذات تأثير على الشارع، وبالتالي ذات أسنان تمكنها من التدخل وقت الحاجة للحيلولة دون نزوع المجتمع نحو الهاوية. ومن ناحية أخرى فإن المنظومة الأمنية لم تقم بالدور المنوط بها نتيجة لالتباس الموقف السياسي، وأيضا كنتيجة لالتباس صفتها التمثيلية (هل هي تمثل إرادة السلطة، وقد أطيح برأسها، أم أنها تمثل إرادة المجتمع المصري المنقسم على أساس العقيدة الروحية؟). وأعود هنا مرة أخرى للتذكير بما تطرقت إليه في مقال سابق. ففي كينيا، البلد الإفريقي غير البعيد عن مصر، وتحديدا في عام 2008 وقعت أحداث مشابهة إلى حد كبير، في الكثير من حيثياته، مع ما حدث في القاهرة في 9 أكتوبر 2011. حيث اندلعت أحداث شغب على خلفية سياسية ودينية، الأمر الذي انقسم معه المجتمع على نفسه على أساس ديني لا وطني، فدقت أجراس الحرب الأهلية. و كان عجز الدولة و مؤسسات المجتمع المدني واضحا في التعاطي مع الحدث، بدليل انقسام المؤسسات القانونية والأمنية وفق الأساس الديني والقبلي، لا الوطني. غير أن الحل جاء في شكل هو الأبسط والأنجع، حيث اجتمعن النسوة الكينيات وأصدرن التالي: 1 - لن يٌحترم الرجل في المنزل. 2- لن تـُعد الزوجات الطعام للرجال. 3- لن يــتم احترامهم من قبل أولادهم. 4- لن تكون له حقوق في الفراش أو حتى الفراش نفسه. وهكذا تجلت إرادة المجتمع من خلال مبادرة المرأة! لقد كانت مبادرة مجتمعية عبرت عن إرادة المجتمع بأكمله وقت حدوث فراغ سياسي أو عجز أمني، وبذلك تم حقن الكثير من الدماء والآلام. لا زالت كينيا تمر بطفرات مماثلة ولكن بشكل اصغر بكثير. لكن المجتمع الكيني وعى الدرس جيدا! و تعلم كيف يحل ثقافة إرادة المجتمع مكان منطق ارادة السلطة، أيا كان شكلها أو ما تمثله. ختاما: لو تعرض أحدنا لحادث مروري في مدينة مثل أوسلو النرويجية، فإنه سيمتثل حتما لأوامر رجل المرور بكل حذافيرها، وسيكون رده متبوعا بعبارة «نعم سيدي»، لأن رجل المرور هنا يمثل القانون، وهو ليس أكثر من أحد الأشكال الممثلة لإرادة المجتمع. غير أن الحال سيختلف تماما لو تعرض أحدنا للحادث نفسه في إحدى دول أومدن الجنوب. حيث أن أول ما سيفكر فيه هو أن يكون شرطي المرور من معارفه كي يخلي سبيله فورا دون تطبيق القانون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها