النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

بلد بتاعة قوانين وغرامات

رابط مختصر
العدد 8229 الجمعة 21 أكتوبر 2011 الموافق 23 ذوالقعدة 1432

كنت أمضي إجازة نهاية العام الدراسي في قريتي، عندما حل موعد إجراء أول استفتاء شعبي علي دستور 1956، وعلي اختيار «جمال عبدالناصر» رئيسا للجمهورية، ولم يكن هناك شك في أن أغلبية الناخبين سيصوتون في الاستفتاء بـ«نعم» علي الأمرين بسبب ما كانت ثورة 23 يوليو 1952، بقيادة «عبدالناصر» قد حققته من إنجازات وطنية واجتماعية خلال الأعوام الأربعة السابقة، أما المشكلة التي كانت تشغل الناس فهي أن قانون مباشرة الحقوق السياسية - أي الانتخاب- الذي صدر بعد إعلان دستور الثورة، كان ينص لأول مرة منذ عرفت مصر الانتخابات عام 1866، علي معاقبة كل ناخب يتخلف بغير عذر، عن الإدلاء بصوته في الانتخاب أو الاستفتاء بغرامة لا تتجاوز مائة قرش، أي جنيه واحد بالتمام والكمال، وهو ما كان يساوي آنذاك خمسة دولارات أمريكية ويشكل عبئا ثقيلا، علي الطبقات الشعبية. وفي الليلة السابقة علي اجراء الاستفتاء طاف الخفراء النظاميون علي منازل القرية، يجمعون بطاقات الانتخاب من الأهالي بناء علي تعليمات من العمدة، الذي خشي أن ينشغل الفلاحون بأعمالهم في الحقول، عن الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء، فيقعون تحت طائلة القانون ويتم تغريمهم فقرر من باب الشفقة عليهم أن ينوب الخفراء عنهم في التصويت بـ«نعم» في بطاقات الاستفتاء، فما كادت اللجنة المكلفة بهذه المهمة، تصل في صباح اليوم التالي - 23 يونية 1956 - إلي القرية، حتي اكتشفت أن المهمة قد انجزت فتناولت افطارا شهيا من خيرات الريف، ووقعت علي المحاضر، وحملت الصناديق معها، ورحلت عن القرية قبل الضحي .. وفي المساء أعلنت النتيجة العامة للاستفتاء الذي أسفر عن موافقة الناخبين علي الدستور، بنسبة 97.6% وعلي اختيار جمال عبدالناصر رئيسا للجمهورية بنسبة 99.9% . وفيما بعد اكتشفت الحكومة أن عدد المتخلفين عن المشاركة في الاستفتاء يصل إلي 190 ألف مواطن، وأن تحصيل هذه الغرامة منهم، يتطلب جهازا إداريا يتكلف أضعاف المبلغ الذي ستحصله منها، فضلا عن حالة السخط التي ستتعرض لها، فصدر قرار جمهوري بإعفاء جميع المتخلفين من دفع الغرامة! وعلي الرغم من ذلك فقد ظل النص قائما في قانون مباشرة الحقوق السياسية بل وانتقل منها إلي قوانين بعض النقابات المهنية ومنها قانون نقابة الصحفيين الذي ينص علي أن الانتخاب إجباري، ولا يجوز التخلف عنه بغير عذر، يقبله مجلس النقابة، وإلا وقعت علي العضو المتخلف غرامة مقدارها جنيه واحد تحصل إداريا لحساب صندوق المعاشات والإعانات. وكان وراء إقحام هذا النص في قانون مباشرة الحقوق السياسية، وفي قوانين بعض النقابات، منطق يقول إن الغرامة هي الوسيلة الوحيدة، التي تجبر الأغلبية الصامتة علي الخروج من سلبيتها، وتدفعها لممارسة واجبها في اختيار من يمثلونها في الهيئات النيابية العامة، أو مجالس إدارات النقابات، وهو منطق تجاهل أصحابه، أن الانتخاب «حق» من الحقوق الدستورية العامة، وليس «واجبا» من هذه الواجبات، وأنه إذا جاز أن تفرض عقوبة علي من يتخلف عن أداء الخدمة العسكرية أو دفع الضرائب أو غيرهما من الواجبات العامة، فليس هناك ما يبرر إجباره علي ممارسة حقوقه العامة، أو معاقبته لأنه قرر بإرادته الحرة، ألا يمارس حقه في التظاهر أو الإضراب عن العمل أو الانضمام للأحزاب، أو ترشيح نفسه للانتخابات، أو الإدلاء بصوته فيها، أو التعبير عن رأيه، فهو حر في أن يتنازل عنها جميعا، أو عن بعضها، فيما عدا الحق في الحياة .. والحق في الحرية.. لذلك تعاقب القوانين من يحاول الانتحار ويفشل، وتحظر الرق وتعاقب من يبيع نفسه، أو جزءا من أعضائه، أو يبيع أبناءه! والمنطق الدستوري الصحيح ، يقول إن الذي يتنازل عن حقه في الانتخاب، يفعل ذلك إما أنه لا يجد بين المرشحين من يستحق أن يعطيه صوته أو لأنه غير مهتم بالشأن العام، ولا يستطيع أن يميز بين المرشحين، ويستوي لديه أن يمثله أي منهم، وفي الحالة الأولي فإن عدم ممارسته لهذا الحق، هو بمثابة امتناع عن التصويت يستوي مع من يذهب إلي لجنة الانتخاب ويتعمد إبطال صوته، وفي الحالة الثانية، فإن غيابه بمثابة توكيل منه لمن يفهمون في الشأن العام، ويستطيعون التمييز بين المرشحين والبرامج، بأن ينوبوا عنه في انتخاب من يصلح للنيابة عنهم وعنه، وفي الحالتين لا يجوز تهديد مواطن بالعقوبة لإجباره علي أن يختار مرشحا من بين مرشحين يرفضهم جميعا، أو أن يضيع وقته لمجرد أن يعلن هذا الرفض، أو إجباره علي أن يبدي رأياً في شأن لا يفهم فيه، ولا يستطيع أن يميز بين الصالح والطالح فيما هو معروض عليه. ولأن الاستفتاءات والانتخابات العامة والنقابية تكررت منذ ذلك الحين، وغاب عنها ملايين من الناخبين وصل عددهم في آخر انتخابات شبه نزيهه أجريت لمجلس الشعب عام 2005 إلي 24 مليونا، ولم أسمع أن أحدا منهم دفع غرامة بسبب ذلك، فقد توهمت أن مادة الغرامة قد ألغيت من القانون، إلي أن فوجئت في الأسبوع الماضي بالتعديلات التي أدخلت علي قانون مباشرة الحقوق السياسية، ترفع غرامة التخلف عن التصويت من 100 جنيه عام 2005 إلي 500 جنيه في الانتخابات القادمة و بنقابة الصحفيين ترفع الغرامة من مائة قرش إلي خمسين جنيها، مع أن الجميع يعرفون أن أحدا لم يطبق هذه النصوص ولم يحصل مليما واحدا من هذه الغرامة طوال أكثر من نصف قرن، ساعتها تذكرت الأستاذ «دسوقي» - أو عادل إمام- كاتب المحامي في مسرحية «أنا وهو وهي» الذي كان يظن أنه أكثر علما بالقانون من المحامي الذي يعمل معه لولا أن الثاني يحمل شهادة لا يحملها هو، ولا يكف عن ترديد عبارة «بلد بتاعة شهادات صحيح» فضربت كفا علي كف وأنا أقول:«صحيح بلد بتاعة قوانين وغرامات»! ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها