النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

أبعاد

إشكالية ثقافية أم أنها مصيبة ثقافية؟؟

رابط مختصر
العدد 8227 الأربعاء 19 أكتوبر 2011 الموافق 21 ذوالقعدة 1432

عندما اختارت البحرين التعليم المدني أسلوباً منذ عشرينات القرن الماضي فإنها بالفعل اختارت الطريق الصحيح أو المنهجية الصحيحة لتأسيس تعليم عصري قادر على تجاوز اشكاليات التعليم الديني في نسخته الحوزوية التي اتضح الآن انعكاساتها الخطيرة على وحدة النسيج المجتمعي لبلد كالبحرين متعدد المذاهب والاعراق والاديان. والبحرين مبكراً استجابت في اختيار اسلوب التعليم لطبيعة تكوينها التاريخي المتنوع كما اشرنا دينياً ومذهبياً وأثنياً لكنها لم تقطع الطريق امام التعليم الديني، فتركت له مساحات معينة في وقت مبكر بما يدل على أن ثمة روحاً مدنية تحكم ادارتها الحديثة وقتذاك، وتحديداً منذ عهد الشيخ عيسى بن علي الذي بدأ فيه التعليم النظامي الرسمي المدني، فأنشئت فيه المدارس على خلفية المنطقة لا على خلفية المذهب. التعليم المدني استطاع ان يدفع بالمئات الى فضاء الثقافة المدنية البحرينية، التي سيطرت على المناخ العام منذ الاربعينيات وكانت في الخمسينيات والستينيات نموذجاً تتطلع له المنطقة في بدايات انطلاقاتها وتضرب بالبحرين مثالاً، كونها استطاعت بالتعليم المدني الذي اسس القاعدة الثقافية الاولى ان تكون بلداً عابراً للمذاهب والاديان والاعراق والاثنيات بما لم يترك في واقعها المجتمعي أي أثر سلبي يهدد وحدتها واستقرارها وسلمها الاجتماعي وطمأنينة فرجانها وحاراتها وشوارعها ومناطقها. صحيح ان اسلوب ومنهجية التعليم لم تتغير، لكن ثمة ثقافة استحضرت وأعادت انتاج الماضي أو بالأدق كل ما في الماضي السحيق من سلبيات خطيرة، وراحت تغذي به عقول ووجدان جيل بأكمله، ولد و رأى النور في ظروف عربية وإقليمية مغايرة في نكوصها العروبي والقومي والمدني الحقيقي الذي عرفناه في السنوات السابقة. استغلال سوء الظروف وتراجعها المدني وتراجع روح تسامحها فتح الطريق الخطير الى ما يمكن ان نسميه الشرانق البدائية المتوحّشة اعادة كل جماعة فيها الى شرنقتها، تتغذى بشكل مخيف على ثقافة الفئة أو الطائفة أو المذهب. وكانت اخطر اشكال الثقافات التي غذت هذه التوجهات لدى الجيل الجديد هي ثقافة المظلومية التي استلّها البعض من سياق احداث التاريخ، ونفخ فيها الروح ليسقطها بشكل مغلوط على واقع معاصر لا علاقة له البتة بماضي القرون لكنه الخلط المتثاقف في لعبة تزييف وتشويه الوعي لهدف سياسي معاصر، يتلبس الماضي ويرتدي رداءه الخارجي في تمويه وبغية تمرير مشروع آخر للوصول الى السلطة، وقد بدأ الطريق الى ذلك بفرض السلطة الاجتماعية من خلال ثقافة المظلومية هذه بكل ما تحمله السلطة الاجتماعية من انصياع خطير، فتسلّم فيه قيادتها الى صحب رأي واحد، ثم الى فرد واحد فقط يقودها بالأمر النهي الى حيث يريد «لا أريكم إلا ما أرى». إنها ليست اشكالية أو مشكلة ثقافية يمكن حلها بالرأي والرأي الآخر، وبتعدد الطروحات والمناقشات والافكار والسجال الثقافي أو الحوار الفكري المفتوح على كل جانب ومن كل جانب.. إنها سيطرة فرد أو بالأدق سيطرة ثقافة فرد واحد فرض سطوة مجتمعية، وهنا خطورة السطوة التي تعتمد في سيطرتها وفرض وصايتها على ثقافة الفتوى.. فالفتوى هنا جاهزة تماماً لتكون سلاحاً ضد كل من يفكر ولو مجرد تفكير في مناقشة أو مساجلة سيطرة ثقافة الفرد الواحد، ولذا سوف نلاحظ ان الكثيرين ممن يرفضون في الغرف المغلقة هذه السيطرة ينصاعون لها في العلن ويصمتون صتماً مطبقاً أمامها ليس قناعة وإنما رهبة وخوفاً من سلطة متعالية قادرة بما لها من نفوذ ثقافة فرد ان تعزل من يخرج عن طاعة ثقافتها وقوة سطوتها. وهكذا تم اختطاف الثقافة المدنية وتوزع وجدان جيل بأكمله بين ما يسمى بـ «ثقافة المظلومية» وثقافة سلطة الفرد لنغدو أمام مصيبة ثقافية تفتح على كل اشكال الكوارث ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وواقعياً.. فكيف الخروج من الدائرة الجهنمية؟ ذلك هو السؤال الذي يخيم على المشهد في اكثر من منطقة كان المنطق الطبيعي فيها قبل اختراقنا بهذه الثقافة يبشّر بالوصول مبكراً الى صياغة المشروع المدني الكبير القادر على إحداث النقلة المرتقبة مع خطوات بدأت مدنية ومنذ عهد مبكر لكنها اختطفت من مدنيتها في هذا الوقت الدقيق.. فمن يعيد لها الوجه المدني؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها