النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

لن أكــــتب شـــيئاً

رابط مختصر
العدد 8226 الثلاثاء 18 أكتوبر 2011 الموافق 20 ذوالقعدة 1432

لن أكتب شيئاً اليوم. لن أكتب شيئاً. هذا هو قراري لهذا الأسبوع. سوف أريح نفسي من عناء كتابة مقالي الأسبوعي الذي يستهلك من أعصابي أضعاف ما أستهلكه من قهوة وشاي. وسوف أريح القرّاء من قراءة ما يعتبره بعضهم تكراراً لأفكاري الداعية دوماً إلى العودة إلى الإنسانية التي تجمعنا بدل الانغماس في الحروب والمنازعات الدينية والمعارك الطائفية، والداعية أيضاً إلى العودة إلى العقل في زمن قرّر فيه العرب وضع عقولهم في المتاحف كذكرى لعقول كانت تعمل في يوم من الأيام وتوقّفت عن العمل بعد أن أسلمت زمامها للمسجد والمأتم. لن أكتب شيئاً اليوم. هذا ما قلته لمسؤولي جريدة الأيام، وما همّني إن كانوا قد تفهّموا أسباب توقّفي عن الكتابة لهذا الأسبوع أم لا، فقد اتخذت قراري وكفى، وسأتحمّل وحدي نتائجه. فما الفائدة من الكتابة عن الوحدة ونبذ الطائفية على الورق، في الوقت الذي تمتلئ فيه المنتديات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي بأطنان من كتابات الفرقة والتشرذم والتحريض والتآمر، وكأنّ الكلّ قد شمّر عن ساعديه استعداداً لاقتتال قريب بين الجيران وزملاء العمل ورفقاء الدرب. يريدونني أن أشتم لأكون واحداً من أولئك الشتّامين الذين ترتفع أسهمهم مع كلّ شتيمة يطلقونها، ويريدونني أن أشمت في زمن الشامتين، وأن أعلن انحيازي السافر في زمن ماتت فيه الوسطية وانقرض فيه كائن الاعتدال، وأصبحت فيه الدعوة إلى الوحدة بين أبناء الوطن الواحد سذاجة، وأصبح فيه الرجوع إلى العقل زندقة وإلحاداً وتجرّؤاً على المقدّسات. لن أكتب شيئاً. لقد أعلنت عجزي فعلاً. لم أجد ما أكتبه، ولم أجد المبرّر للكتابة. سمّوه ما شئتم عجزاً أم إحباطاً أم فشلاً، فلا يهمّني بعد اليوم ما تطلقون على حالتي من أوصاف ونعوت. ولا تستغربوا حين تجدوني بعد أيام كاتباً في صفحة الطبخ، أو صحافياً يلاحق المغنيات لإجراء مقابلات حصرية معهنّ، فالكذب في عالم الطبخ قد يولّد طبقاً رديئاً، والكذب في عالم الفنّ قد يولّد شائعة تزيد الفنّان شهرة، ولكن حين يكذب المرء في شأن بلده فإنّه يولّد فتنة. قد يكون امتناعي عن الكتابة هروباً من الإجابة عن أسئلة القرّاء: أين الحقيقة في كلّ هذا؟ وأين الكذب؟ وكيف نفرّق بين الوقائع والأوهام؟ وكيف نميّز بين الطهر والخبث؟ وأمام كلّ هذه الأسئلة سأجد نفسي أحمل ربع إجابة وربع معرفة وربع ابتسامة بلهاء، ولكي أداري سوءة جهلي بالحقيقة الكاملة فضّلت الهروب وإعلان انهزامي أمام أزمتنا الملغزة ومجتمعنا المحيّر ومخارجنا المجهولة. قرّرت أن أضع القلم هذا الأسبوع ولا أخطّ سطراً. فامتناعي عن الكتابة أفضل بألف مرّة من أن أكون كعازف الكمان في الأوركسترا، أرفع عقيرة العزف حين يرفع المايسترو عصاه وأهدّئ العزف حين يخفضها. فأنا أحبّ العزف المنفرد الذي يعبّر عنّي وحدي وعمّا أعتقده وما أتصوّره، لا ما يتصوّره الغير ويريده الآخرون، وحتى لو تسبّب ذلك في خسراني لعدد من القرّاء، فأنا لست ممّن يبيع قناعاته وتصوّراته وشخصيته من أجل أن يجمع حوله أكبر عدد من القرّاء. قال لي مسؤولو الجريدة: «.. وما الذي يمكننا أن نضعه مكان مقالك إذن؟»، قلت لهم: ضعوا نعياً للعقل، نعياً للحرّية، نعياً للترابط الاجتماعي، نعياً لاستقرار الوطن، نعياً للأمن، نعياً لطيبة البحرينيين التي أفسدتها الأزمة، نعياً للمثقفين الذين خسرناهم للأبد، نعياً للكتابة الرصينة، نعياً لأحلام الديمقراطية، أيّ نعي سيفي بالغرض، وسيكون أكثر أهمية من مقال أكتبه على عجل لكي أسدّ فراغ الجريدة وأغطّي به التزامي الأسبوعي في هذه المساحة. أو اتركوها بياضاً. فالناس حالياً تحتاج لأن ترى البياض بعد أن سوّدت الأزمة كلّ بياض كان في حياتنا وأحالته ظلاماً قاتماً. فما الضير في أن تبقى هذه المساحة بيضاء لتذكّر البحرينيين بالبياض الذي كانوا يعيشون فيه قبل الأزمة، بقلوب نقيّة صافية كالثلج ونفوس بيضاء كالقطن؟ ألا يحتاج للناس إلى هذا البياض أكثر من الكتابات التي تنحر البياض من الوريد إلى الوريد ولا تزيد السواد إلا سواداً؟ فليعذرني القرّاء الذين كانوا – على قلّتهم ربّما – ينتظرون ما أكتبه، فالكتابة في الزمن الرديء «أشدّ مضاضة على النفس من وقع الحسام المهنّدِ»، فما أكتبه على الورق في هذا الزمن أحفره في جسدي وروحي وعقلي، فلم يتبقَّ زاوية في جسمي إلا ومرّت فوقها عربات الأزمة وغرست فوقها رايات الألم والحسرة، فليس لي اليوم سوى جسد منهك وروح مهزومة وعقل منذهل، فهل يتوقّع القرّاء منّي – وأنا على هذه الحال – مقالاً؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها