النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

.. بل لماذا انهار الاتحاد السوفيتي؟

رابط مختصر
العدد 8224 الأحد 16 أكتوبر 2011 الموافق 18 ذوالقعدة 1432

صديقنا الأستاذ خليل حيدر، الذي أقرأ له باستمتاع ونهم، كتب مؤخرا مقالا في «الأيام» تحت عنوان «لماذا انهارت الشيوعية؟». وكان الأجدر به أن يقول «لماذا انهار الاتحاد السوفيتي؟» لأن الشيوعية ما كانت لتأفل لو لا سقوط سدنتها في موسكو. ثم إن الشيوعية فكر مثله مثل الليبرالية وغيرها، وهي لئن أفل شمسها في وقت من الأوقات لظروف ما، فإنها تبقى موجودة في الكتب وفي عقول ووجدان معتنقيها على الأقل، وربما نفضت عن جسمها الغبار في المستقبل لتعود في صورة أخرى. ومأخذي الآخر على الصديق هو اعتماده حصريا فيما كتبه على آراء «بهاء الدين نوري» سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، رغم وجود المئات من المؤلفات التي ظهرت في أوائل التسعينات وتناولت الموضوع بتوثيق وتحليل علمي من زوايا عدة. وأتذكر، حينما كنت باحثا في جامعة إكستر البريطانية، أن بعض هذه المؤلفات كانت مقررة على طلبة الدراسات العليا، وكانت تدور حولها مناقشات ثرية. وهذا المأخذ لا يعني البتة أن ما كتبه الصديق غير صحيح، فانهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي أفول الشيوعية كان - كما ذكر - نتيجة تفاعل عوامل عدة مثل تكميم الأفواه، وتسليط أجهزة المخابرات على الناس، وترهل القيادات الحاكمة، وتجذر البيروقراطية الخانقة، وعدم قدرة الاقتصاد الاشتراكي على تلبية متطلبات الجماهير، ونزوع النظام إلى الإنفاق الضخم على الأنظمة البائسة الدائرة في فلكه، وقيامه بمغامرات خارجية، وإنفاقه السخي على التسلح. على أن عاملا مهما جدا – من وجهة نظري – تم إغفاله، الأ وهو انبعاث النزعة القومية لدى الشعوب التي كانت تنضوي تحت الاتحاد السوفيتي. فهذه الشعوب التي تم تهميشها ومحو خصوصياتها العرقية والثقافية والدينية وجدت في سياسات «البروسترويكا» و»الغلاسنوست» التي أطلقها «ميخائيل غورباشوف» بـُعيد وصوله إلى السلطة بيئة خصبة لتفعيل ما ظل كامنا في النفوس والعقول على مدى عشرات السنين. وما لا يـُخفى على أحد أن الاتحاد السوفيتي كان يشتمل على عشرات القوميات «مثل السلافيين في روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء، والإسكندانافيين في ليتوانيا ولاتفيا وأستونيا، والقوقازيين في أرمينيا وجورجيا وأذربيجان، والمولدافيين من ذوي العرق الروماني، وسكان آسيا الوسطى من التركمان والطاجيك والأوزبك والكازاخ والقرقيز، ناهيك عن الأقليات الأخرى كالألمان واليهود والبولنديين والهنغاريين والبلغار واليونانيين والتتار والشيشان والأنغوش». كل هذه القوميات جـُمعت في كيان واحد بالقهر الممنهج، بل بالغ قادة موسكو في تشتيتها وضرب ثقافاتها ولغاتها ومعتقداتها وتقاليدها، فارضين عليها بالقوة الاستسلام للثقافة الروسية. ومما لا يخفى أيضا أن هذه العملية مرت بحقب مختلفة لكل منها أسلوبها وطريقتها وفقا لما كان يراه الرجل الأول في موسكو. ففي حقبة المؤسس «فلاديمير لينين» الذي كان معارضا لنشوء التكتلات القومية داخل حزبه، كيلا تتشتت الجهود، وكي تتضافر كل الإمكانيات من أجل الهدف الأسمى «الإطاحة بالنظام القيصري»، تراجع الرجل عن فكرته بعدما فطن إلى أهمية العامل القومي في خلق التذمر ضد القياصرة. حينها فقط قرر استخدام ورقة القوميات لتحشيد الناس خلف ثورته البلشفية، وذلك من خلال تقديم الوعود لتلك القوميات بالمحافظة على خصوصياتها داخل النظام الاشتراكي القادم، بل ومنح أبنائها حق حكم أنفسهم ذاتيا. وقد أقدم لينين بالفعل بعد نجاح ثورته على إنشاء دائرة للقوميات ضمن الحزب البلشفي في عام 1920، مسندا رئاستها إلى زميله الجورجي «جوزيف ستالين»، وقائلا: «فلنعط القوميات والأقليات حقوقها وخصوصياتها كي تكتشف بنفسها أن تلك الأمور تافهة ولا قيمة لها لجهة ازدهارهم، مقارنة بالكيان الأممي الجامع القوي». أما في حقبة ستالين، الذي أعلن صراحة أن الاتحاد السوفيتي يجب أن يكون قوميا شكلا واشتراكيا في محتواه، فقد راحت موسكو تنفذ بالحديد والنار ما عـُرف بـ»تطبيق الوحدة الإيديولوجية» على كل البلاد وشعوبها وقومياتها المتباينة، خصوصا وأن الكثيرين ممن كانوا في القيادة العليا كانوا يؤمنون بأن زمن القوميات قد ولى إلى الأبد وأن المستقبل هو للأممية. وعليه شهدت هذه الحقبة تطورات كثيرة أبرزها: تنامي ظاهرة الزواج المختلط بين القوميات، ونزوح الكثيرين من الأرياف إلى المدن الروسية الكبرى مع تخليهم شيئا فشيئا عن خصائصهم الثقافية والاجتماعية وتقاليدهم المتوارثة في الأزياء والطعام وأنماط المعيشة، وتهجير السلطات لذوي الأصول التتارية والشيشانية والأنغوشية واليهودية وغيرهم من مناطقهم الأصلية إلى أماكن بعيدة، تحت مزاعم تعاونهم مع النازيين. وهكذا صار الروس في الحقبة الستالينية هم القوة المهيمنة، بل الأخ الأكبر الذي يجب على الآخرين الاقتداء به في كل شيء، وصار كل إنجاز يتحقق في البلاد ينسب إلى الروس وحدهم. في الحقبة التالية التي تزعمها الأوكراني «نيكيتا خروتشوف» والتي بدأت في عام 1956، انتقد الأخير سلفه للجرائم وحملات التطهير والقمع التي ارتكبها، رغم ما كان معروفا عنه من عدم التعاطف مع تظلمات القوميات المختلفة. لكنه، من جهة أخرى، قاد بنفسه حملة قاسية ضد المعتقدات الدينية، وذلك من منطلق أن الدين هو الذي يحرك القوميات ويجعلها تتجرأ على القيادة المركزية في موسكو مطالبة بكذا وكذا. وقد تجلت خطط خروتشوف في إصدار أوامر مشددة في عام 1958 بمحو كل ما كتب أو نشر بلغات قومية غير الروسية، وذلك ضمن مشروع أطلق عليه «خطة الإصلاح الثقافي». وبالتزامن أطلق عملية أخرى استهدفت تقسيم البلاد إلى مقاطعات على أساس اقتصادي وليس على أساس إثني أو ثقافي. ولم تختلف حقبة «ليونيد بريجينيف» كثيرا عن سابقاتها، إلا أنها شهدت لأول مرة ولادة حركات قومية سرية تصدح ببعض المطالب الخجولة. فالقومية التتارية راحت تطالب موسكو بالسماح لأبنائها بالعودة إلى موطنهم الأصلي داخل الاتحاد السوفيتي. واليهود والألمان والأرمن زادوا من ضغوطهم وحراكهم كي تسمح لهم السلطات بالسفر إلى الخارج، واللتوانيون الكاثوليك راحوا يضغطون من أجل السماح لهم بممارسة حرياتهم الدينية. ورغم أن بريجينيف ظل متمسكا بمقولة «إن مشاكل القوميات تم حلها في إطار الدولة السوفيتية الواحدة»، فإنه اضطر تحت الضغوط الخارجية وبسبب رغبته في تحسين علاقاته مع الغرب، للسماح لعدد كبير من مواطنيه الألمان واليهود والأرمن بالهجرة إلى الخارج. وفي السبعينات لوحظ تغير خطابه الإيديولوجي. إذ صار يركز على مبدأ المواطن السوفيتي، ويدعو إلى الأمة الواحدة المكونة من كيان إثني واحد، بدلا من الوحدة الاشتراكية الأممية الجامعة لشعوب من مختلف القوميات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها