النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

مواطنـون.. لا طوائــــف

رابط مختصر
العدد 8222 الجمعة 14 أكتوبر 2011 الموافق 16 ذوالقعدة 1432

أثناء ثورة 25 يناير المصرية، ولأسابيع تلت انتصار نجاحها السريع والمذهل وغير المتوقع في إسقاط النظام السابق، ساد بين الثوار رؤية تذهب إلى أن الثورة، قد أنهت كل مشاكل مصر، وفي مقدمتها مشكلة التوترات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، وتستدل على ذلك بشواهد من بينها أن الكنائس ظلت طوال أيام الثورة، من دون حماية أمنية، بسبب تفكك وانسحاب جهاز الشرطة، ومع ذلك فإنها لم تتعرض إلى أي محاولة للإضرار بها، بل إن القسس والشخصيات المسيحية الذين كانوا يقيمون بميدان التحرير أيامها، كانوا يحرصون على أن يصبوا الماء بأنفسهم على أيدي مشايخ المسلمين لكي يتواضؤوا قبل أداء صلواتهم، بينما كان هؤلاء المشايخ ومعهم شباب الجماعات الإسلامية يحيطون بالمكان الذي يقيم فيه المسيحيون قداسهم، لكي لا يشوش عليهم أحد. ومن هذه الشواهد وغيرها، مما في مستواها، استخلص الثوار نتيجة تقول إن أيام التحرير الثمانية عشرة، قد أعادت صهر عنصري الأمة، ورتقت ما كان قد أصيب به النسيج الوطني من تمزقات، وروج الإعلام الثوري لمقولة تذهب إلى أن كل ما يزدحم به ملف التوترات الطائفية من أوراق، وما يضمه من وقائع، كان آخرها آنذاك حادث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية ليلة رأس السنة لهذا العام، هي عمليات قامت بها عناصر تنتمي إلى فرقة شرطية خاصة، شكلها لهذا الغرض وزير داخلية ذلك العهد حبيب العادلي، لكي يشغل المصريين عن استبداد النظام وفساده، ويفتت صفوفهم، فيحول بينهم وبين التوحد ضده أما وقد رحل فقد رحلت معه كل مشاكل مصر، وفي مقدمتها التوترات الطائفية إلي حيث لا عودة. وأيامها كتبت أحذر من هذا الاستخلاص الخاطئ، الذي لم يكن الإعلام الثوري يكف عن الإلحاح عليه في الأسابيع القليلة التالية على انتصار الثورة، ليس فقط لأنه يرتفع بالثوار فوق سحابة وردية من الأحلام، أو بمعنى أدق الأوهام، سرعان ما تصطدم بالواقع، فتضعف معنوياتهم، ولكن -كذلك- لأن هذه الأوهام، سوف تشغلهم عن تدعيم تطور الثورة بوسائل الدفاع المختلفة، حتي لا يخترقها العدو من الجبهة الطائفية، بعد أن أوقعت نفسها في فخ متقن لخديعة النفس، حين توهمت أنها جبهة آمنة ومستقرة، وليس هناك أي احتمال لأن يرد منها أي خطر. وصحيح أن الثورة تبدأ بالحلم، ولكنها تتحقق بالعلم، أي بالعمل التنظيمي لحشد قواها، وتجميع عوامل انتصارها، وتحديد توقيتات واتجاه ضربتها الرئيسية، ولأن حلم ثورة 25 يناير المصرية، قد تحقق دون توافر قسم كبير من هذه العوامل لأسباب تاريخية خاصة بها، فقد كان طبيعيا أن يؤدي انتصار الحلم من دون علم كاف إلى هذه الحالة من الرومانسية الثورية المفرطة، التي خيل للثوار معها أن مصر ستتحول إلي جنة بمجرد رحيل النظام السابق. وما فات على هؤلاء أن حلم الثورة، وإن كانت خطوته الأولى قد نجحت من دون قدر كاف من العلم، فإن خطوته التالية لن تتحقق دون إقرار بالواقع ومعرفة وتخطيط علمي لتغيير الفاسد منه، وأن التوترات الطائفية ليست فزاعة اصطنعها النظام السابق، ولكنها مرض متوطن في مصر منذ نحو خمسين عاما، وأن أعراضه تتصاعد على نحو يتطلب رؤية ثورية مختلفة عن الطريقة البوليسية والبيروقراطية التي كان النظام السابق يتعامل بها مع الظاهرة، وإلى خطط علمية، سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية، تعيد تحويل مصر إلى مجتمع سياسي، بعد أن تحولت في خلال هذه العقود إلى مجتمع شبه طائفي. وأخطر ما يمكن أن تتعرض له الثورات، خاصة التي يكون هدفها الرئيسي هو التحول من نظام استبدادي تسلطي، إلى نظام ديمقراطي تعددي، هو أن تجد نفسها في مستنقع طائفي، لأنها بالأساس عمل سياسي، لا يطرح ثماره إلا في تربة خصبة، تزدهر فيها جميع التيارات والاتجاهات السياسية، أي إلى مجتمع سياسي، يتجانس فيه الناس حول رؤي سياسية، تحقق من وجهة نظر كل فريق المصالح العامة: مجتمع سياسي ينقسم فيه الناس إلي يمين ويسار، ومحافظين ومجددين، ولا إلى مسلمين وأقباط، أو سنة وشيعة، أو أرثوذكس وكاثوليك، أوربانيين وقراءين. وبذلك يجمع كل تيار بين صفوفه أناساً ينتمون لمختلف الأديان والمذاهب الدينية، ومختلف المدارس الفقهية، توحد بينهم رؤيتهم للشأن العام، ويفرق بينهم وبين غيرهم رؤية مختلفة، وأقل تحقيقا من وجهة نظرهم لهذه المصالح، وهو خلاف صحي، لا يشكل خطرا على وحدة الجماعة، ولا يؤدي إلى تفككها بعكس الاصطفاف الطائفي الذي يقود إلى التعصب الديني أو المذهبي، ثم كراهية المختلف، فممارسة العنف ضده. خلاصة ما قلته آنذاك، وأعيد تكراره الآن بعد أن اكتشفنا جميعا خلال الأشهر الماضية، أن الثورة لم تقض على الفتنة الطائفية، هو أننا في حاجة إلى رؤية ثورية، وبرامج ثورية ترفع شعار: مصريون لا طوائف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها