النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ستيــف جوبــز شهيــداً

رابط مختصر
العدد 8219 الثلاثاء 11 أكتوبر 2011 الموافق 13 ذوالقعدة 1432

مات ستيف جوبز. انشغل العالم بأسره منذ وفاته بالحديث عن رحلته المدهشة في عالم الابتكار والاختراع، ومراحل تأسيسه لأكبر شركة حواسيب في العالم. أما عالمنا العربي فقد انشغل شطر كبير منه بالحديث عن رحلته الأخروية وتنقّله بين عذاب القبر وعذاب النّار وبئس المصير رغم اختراعاته وابتكاراته المذهلة لأنّه مات وهو على الديانة البوذية! في برامج الفتاوى الدينية يسأل السائل: «يا شيخ! هل يجوز الترحّم على مؤسس شركة أبل؟ وهل يحقّ للمسلم أن يطلب من الله الرحمة والمغفرة لمن اخترع الآي بود والآي فون والآي باد؟ فيجيب الشيخ الأول: لا يجوز، ويجيب الشيخ الثاني: يجوز، ولكن لا أحد من هؤلاء المشايخ يستنكر مثل هذا السؤال ويعدّ الحديث عن مآلات الناس يوم القيامة من اختصاص الله سبحانه وتعالى الذي هو وحده من يعلم الغيب. أما أنصاف المثقفين المسكونون بنظرية المؤامرة فيعتقدون أنّ ستيف جوبز هو صنيعة صهيونية، ويعتبرون رحلته الإعجازية في عالم الابتكار والاختراع جزءاً من مخطط صهيوني ماسوني بقصد السيطرة على العالم وتكوين قاعدة بيانات ضخمة لأكبر قدر من المشتركين في هذه الشركة العملاقة، ويستدلّون على ذلك بتفاحة آدم المقضومة التي أخرجته من الجنّة، وهي التفاحة التي اتخذتها شركة «أبل» شعاراً لها وتجدها مطبوعة على كلّ منتجاتها، وهو ما يشير إشارة واضحة إلى انتساب الشركة للمنظمات الصهيونية التي تهدف إلى نشر الخطيئة في العالم! وسواء كان ستيف جوبز في الفردوس الأعلى أم كان في الدرك الأسفل من النّار فما يهمّني في أمره هو أنّه رحل عن الدنيا وقد ترك بصمة إيجابية مؤثرة لا تُنسى في جبين العالم، ووضع لنفسه موقعاً ضمن قائمة المخترعين والمبتكرين الذين غيّروا وجه البشرية وأحدثوا تأثيراً كبيراً على نمط الحياة. فكم من المؤمنين من مات وهو ساجد، أو قضى نحبه وهو يطوف حول الكعبة، ولكنّه رحل عن الحياة دونما أثر. فمن قضى حياته كلها في المسجد، ولم يقرأ كتاباً سوى المصحف الشريف، وكرّس حياته لجني الحسنات وبناء القصور في الجنّة فهو لم يعمّر الأرض كما أمرنا الله، وإنما عمّر آخرته لوحده. وهو بذلك قد بحث عن خلاصه الذاتي ونجاته يوم الدين ولم يبحث عن خير هذه البشرية وعمار هذه الأرض. فهل الله سبحانه وتعالى يدعو الناس إلى الدخول في دين الله أفواجاً والانصراف عن الدنيا والركون إلى الصلاة والصيام وقيام الليل وقراءة القرآن دون خلق أيّ أثر في عالم الاختراع والابتكار والإنجازات البشرية؟ بالطبع لا. فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: «هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها» أي طلب منكم أن تعمروها، ولم يطلب من البشر أن يهجروها وأن ينصرفوا عنها وأن لا يفكّروا إلا في بلوغ الجنّة حتى لو تحوّلت الأرض إلى خراب ودمار. هذه ليست دعوة لهجر العبادات والانقطاع عن أداء الشعائر، فالخوارزمي وابن سينا والرازي وابن الهيثم ابن النفيس لم يكونوا بعيدين عن الله، فقد كانوا محافظين على الشعائر وملتزمين بأدائها، ولكنهم لم ينصرفوا انصرافاً تامّاً للنوافل ولم ينشغلوا انشغالاً كاملاً في السعي نحو الآخرة على حساب الحياة الدنيا، وكرّسوا أوقاتهم للعلوم والابتكارات والاختراعات، ورحلوا عن الحياة وقد تركوا بصمات لا تُنسى في حياة البشرية. وإلى الآن ما زالت أكثر الجامعات عراقة في أوروبا وأمريكا تحتفي بهم وتتذكّر إنجازاتهم العظيمة وتعترف بفضلهم على العلوم البشرية. وحين يتحدّث الناس هذه الأيام عن الإنجازات التي أنجزها هؤلاء العلماء المسلمون فهم لا يتحدّثون عن عدد الركعات التي أدّوها أثناء قيام الليل، ولا يتحدّثون عن عدد أيام صومهم، ولا عدد ختمات القرآن التي أنجزوها في حياتهم، بل هم يتحدّثون عن إنجازاتهم في مجال الرياضيات والعلوم والجبر والأحياء والطبّ، وعن مؤلّفاتهم العظيمة في هذه المجالات. وحتى عندما يتفاخر العرب اليوم، ومنهم الملتزمون، بإنجازاتهم، فإنهم يتفاخرون بالإنجازات الدنيوية لهؤلاء العلماء المسلمين الأوائل، ولا يتفاخرون بإنجازاتهم الأخروية. حين قرأت السيرة الذاتية الحافلة بالإنجازات لستيف جوبز وعرفت أنّه وُلد لأب سوري تساءلت: ماذا لو أنّ أباه لم يتخلّ عنه لصالح أسرة بولندية، وماذا لو عاد الأب مع ابنه للعيش في البلدان العربية، واختطّ هناك خطّاً إيمانياً متنقلاً بين المسجد وبين ساحات الجهاد وسقط شهيداً مضرّجاً بدمائه الطاهرة، مع احترامي وترحّمي على جميع الشهداء، هل سيبكي عليه العالم مثلما بكى عليه اليوم؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها