النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11801 الجمعة 30 يوليو 2021 الموافق 20 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

بين العــبث و السياســة

رابط مختصر
العدد 8218 الإثنين 10 أكتوبر 2011 الموافق 12 ذوالقعدة 1432

عندما نتحدث عن أولويات الوضع سياسيا واجتماعيا فإنه من غير المنطقي عدم التطرق للاحتقان الطائفي، لما لهذا الملف من أولوية بسبب تداعياته على السلم الأهلي. غير إن ما يكدر المرء فعلا هو أن من نعتبرهم صفوة المفكرين البحرينيين يتخذون مواقف سياسية غاية في الضبابية، إزاء هذا الملف الحساس «هذا إن لم يكونوا من النافخين فيه أصلا»، في وقت يجب عليهم فيه أن يحسموا أمورهم منعا من التصعيد المؤدي، لا قدر الله، إلى سفك الدماء. والحقيقة أن ما نعيشه اليوم هو وضع هش غير قابل للصمود إن لم نتجاوز ذواتنا. لقد صار جليا وواضحا أننا نعيش ما يمكن أن نطلق عليه «صراع الإرادات السياسية» لدى كل بحريني. فطرف يرفض كل أشكال السياسة مجسدة في صيغة «خذ وهات» [مهما كان حجم «خذ»، لأنه امتهن قول «لا» في كل ما يعرض عليه، بل صارت هذه الكلمة شعاره الذي لا يبارحه إلى الحد التي طغت على بقية مفرداته]. يذكرني واقعنا السياسي الحالي بالقصة التالية: «يريد الحب (القمح) والديك»! وملخص حكاية هذا المثل أن ديكا أكل قمحا يعود لأحد الفلاحين، فتم جر صاحب الديك إلى القاضي الذي حكم للفلاح بالديك، فاعترض الفلاح, فاستوضحه القاضي سبب ذلك, رد بأنه يريد الديك والحب (القمح) معا. إن صراع الإرادات السياسية في ابسط قواعدها تــُبنى على أساس عدم تضييع الفرص، خصوصا حينما يكون خصمك أقدر منك، ويملك من أدواة اللعبة ما لا تملك ولن تملك. اقتصاديا يــُسمى هذا الوضع بـ «قيمة الفرصة». ورموز تلك الجمعيات البحرينية لم تضيع قيمة الفرصة فحسب، إنما أضاعت أكثر من ذلك بكثير، حينما كابرت وأصرت على الحصول على «الديك والقمح» معا، مما جعل القاضي يأمر بطردها من قاعة المحكمة. أما سياسيا فقد عبثت بأشياء غالية ونفيسة عند كل بحريني وبحرينية، حينما تحدت إرادة الشعب والوطن وسلكت مسلكا فوضويا وتقسيميا. أنا لن أخوض في الكتلة الانتخابية للدوائر 14 (التي خضعت لانتخابات تكميلية)، فقد تأهل من تأهل. تلك كانت إرادة البحرين! فما هو عنوان إرادتكم ؟ التكسير، والحرق، والتخويف، ودعوات التسقيط، ومشروع الشهيد، وغير ذلك من الأعمال العبثية التي نلمسها ونراها كل دقيقة, بل وصلت حد تدويلها؟ لقد كنتم تمتحنون إرادة البحرين، فاستجابت هي بالعمل والصفح، فما كان منكم إلا أن لجأتم إلى أسلحتكم المعتادة واسطواناتكم المشروخة إياها. إن ما نعيشه اليوم هو وضع كارثي بكل المقاييس. والسبب، من وجهة نظري، الرؤية القاصرة، والقراءة المبسترة عند جموع من ابتدعوا أو قادوا حراك «الدوار»، سواء أكانوا ساسة أو رموزا دينية أو رؤساء لتنظيمات مهنية. ويمكن تبسيط المشهد بالشكل التالي: إذا كان لدى جيرانك حفلة زفاف، فالمفترض ألا تفرض عليهم موسيقاك المنتمية إلى ثقافة غريبة عن مجتمعك، وإنما ترقص وتفرح معهم على وقع الموسيقى النابعة من البيئة والمعروفة لديهم ولديك. فجميعنا مثلا يعرف وقع الهبان والصرناي، ومناسبات كل منهما، وكذلك ايقاع حركات الكاسر والليوة. أما «البريك دنس» وموسيقاه فهي غير منتمية لنا ولا هي منا، ويخطئ من يعتقد أنه بإمكانه أن يزرعها في محيطنا. هناك استحقاقات وطنية سياسية واجتماعية وإقليمية سوف تكون على قائمة الأولويات لدى قيادة البحرين السياسية، لكن لا يمكن قبول البدء بأي برنامج دون معالجة الوضع، حتى لو اقتضى الأمر اللجوء إلى الحلول الأمنية من أجل أن يسود الاستقرار، وتعود الطمأنينة إلى النفوس. في ظل الفوضى وتراجع هيبة القانون تضيع هيبة الوطن وعندها لا يمكن لأي برنامج وطني أن ينجح. وعندما نعد لبرنامجنا الوطني القادم، فمن أوجب الواجبات أن يتم ذلك وفق أولويات واضحة، وآليات محددة، وجدول زمني مدروس، كي لا نفشل أو نتعثر بعد قطع بضع خطوات إلى الأمام. ومن الأهمية بمكان أن يواكب ذلك اعتماد مبدأ الشفافية، وإخضاع البرنامج الوطني المذكور لإشراف لجنة برلمانية قادرة على الإشراف الفعلي، لا الإشراف الصوري، بل وقادرة منذ اليوم الأول على التقييم والترشيد، وتقديم النصح والمشورة حول ما يجب عمله والمضي فيه، وما يجب الانصراف عنه حماية للمال العام من الهدر. وإذا ما تطرقنا إلى ما يجب أن ينطوي عليه البرنامج الوطني، فإنه من المفترض بداهة أن يشتمل في شقه التنموي تعليم النشء الجديد طريقة وأسلوب التفكير العقلاني والمنطقي، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم الدستورية منذ المرحلة الابتدائية، وزرع بذور التذوق الفني الوطني في نفوسهم، بحيث يجبلون منذ الصغر على الاستماع إلى موسيقى وفنون نابعة من بيئتهم بدلا من الموسيقى والفنون الدخيلة المفسدة للذوق. فمثلا من الضروري أن يتعرفوا على أدب إبراهيم العريض، وفنون الصوت المؤداة بواسطة محمد بن فارس وضاحي بن وليد، وشعر قاسم حداد وعلي الشرقاوي وحمدة خميس. ومن الضروري أن يدركوا أن أول جائزة تقديرية في الأدب كانت فكرة من لدن المغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، وكانت تلك الجائزة عبارة عن نخلة من الذهب، وعذوق الرطب عبارة عن لؤلؤ بحريني، وأعطيت لأمير الشعراء احمد شوقي. إلى ذلك يجب أن نوعي النشء الجديد بإسهامات البحرينيين من حرفيين وإداريين وأطباء ومعلمين وغيرهم في نهضة الخليج العربي! نعم الخليج العربي الذي يولد الآن من جديد! وأرجو ممن لم يدرك بعد معنى الإرادة الوطنية إن لا يــُبحر في التاريخ بعيدا، بل يشاهد ما يفعله البحرينيون اليوم وهم يصنعون تاريخهم الحديث بأيديهم وجوارحهم. لم أنس بالطبع العرضة «رقصة المحاربين لدى قبائل العرب، والتي تؤدى بأشكال مختلفة» كأحد عناوين الهوية البحرينية، لكني تعمدت تأخير الحديث عنها، خوفا من أن تقرأ عند البعض على أنها دعوة للحرب، رغم أنها كانت في الأساس صورة توحي بالردع لا للهجوم! لا يـُكسر الفخار، ولا يجوز تكسير الأوطان، والبحرين لن تكون إلا وطنا لكل مواطنيها، وباب إرادة العمل سيظل مفتوحا لكل من يريد المشاركة البناءة. أما أن يستمر العبث بأمنها واستقرارها فهو أمر مرفوض ويندرج تحت سياسة «الفوضى الخلاقة» التي طرحتها كوندوليزا رايس، إحدى عرابات احتلال العراق، وتصفية القضية الفلسطينية، وصياغة خارطة جديدة للمنطقة تخدم مصالح دولتها وحلفائها في الشرق الأوسط. وأخيرا فإنه لن يدعي أحدنا علم الغيب، لكننا على يقين من إرادة «عيال» البحرين. ومن لم يدرك بعد حرمة الدم والأرض، فإن الوقت لم يفت بعد ويمكنه استدراك ذلك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها