النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10905 السبت 16 فبراير 2019 الموافق 11 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:55AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06AM
  • المغرب
    5:31AM
  • العشاء
    7:01AM

كتاب الايام

مخاطر حرب الدين والسياسة فى اليمن

رابط مختصر
العدد 8216 السبت 8 أكتوبر 2011 الموافق 10 ذوالقعدة 1432

من يقرأ تطورات الوضع اليمني يستطيع ان يخرج بنتيجة فورية مؤداها ان البلاد في طريقها للانهيار التام ولا أمل في اصلاحات قريبة، خاصة مع الوضعين الامني المتدني، والاقتصادي الذي بلغ حد الكارثة بفعل الحروب والمواجهات المستمرة في اليمن، سواء بين النظام والحوثيين على مدى السنوات الماضية التي افقدت الجيش وقوى الامن باليمن الكثير من العتاد والافراد، ثم مناوشات الجنوب ودعوتهم بالانفصال التي ارهقت الحكومة كثيرا.. ثم جاءت الدعوة الشعبية للاطاحة بالرئيس علي عبد الله صالح، وهي الثورة التي لم تنته حتى الان ومرشحة للاستمرار. فصالح يتمسك بالعناد ويصر على عدم التخلي عن السلطة، والجديد هو شرطه الذي وضعه لترك منصبه، وهو ضرورة ان يترك اللواء محسن الاحمر – الذي انشق عنه وانضم للثوار - موقعه في جبهة المعارضة . وحذر صالح في مقابلة صحفية نادرة عقب عودته الى صنعاء بعد رحلة علاج طويلة في السعودية، من ان استمرار محسن الاحمر في العمل السياسي ومشاركته في الانتخابات المقبلة سيقود الى حرب اهلية. وقد استند صالح هنا الى المبادرة الخليجية لنقل السلطة بشكل سلمي، والتي تنص على ازالة كل العناصر التي تثير توترا في اليمن في اشارة الى خصمه المنشق. طبيعي ان يشعر صالح بالقلق من احتفاظ اللواء الاحمر وقبيلة الاحمر بنفوذهما، ولكن ليس من المعقول ان يشترط قبل تخليه عن موقعه المطالبة بتنازل الاخرين عن مواقعهم بحجة ان استمرارهم سيعني سقوطه بالضربة القاضية او امام انقلاب كما ذكر في المقابلة المشار اليها. فالعناد هنا لا يجدي نفعا، ففي امور السياسة، تكون مصلحة الوطن هي الاهم وليس النظر الى مصلحة الفرد والعائلات. وبالتالي، لم يكن الرئيس اليمني موفقا عندما وضع شروطا للتنازل عن السلطة، خاصة وان بلاده تتمزق بفعل الحرب والثورة والفقر، وكان عليه ان يفكر مليا في الوطن الذي اعطاه الكثير وينتظر منه مجرد قرار شجاع. اخفاق اخر وقع فيه الرئيس اليمني عندما يقول :»اذا نقلنا السلطة وهم ما زالوا في مواقعهم يحتفظون بسلطة القرار، سيكون الامر في غاية الخطورة وسيقود الى حرب اهلية».. مكمن الخطأ ان صالح ليس هو الذي ينقل السلطة، فهو هنا في موقع المضطر الى ترك السلطة وليس طواعية، فوضعه الصحي والنفسي والذهني لا يمكنه من الاستمرار في ممارسة مهام الرئيس الجسام. وبالتالي، فهو عندما يغادر موقعه، فهذا امر نابع من ثورة شعب ضد حكمه الطويل الذي اوصل اليمن – الذي كان سعيدا – الى مرحلة الهلاك. الوضع السياسي المتوتر في اليمن انتقل بدوره الى رجال الدين للاسف، وكان اولى بهؤلاء البقاء بعيدا عن نار السياسة ولهيبها، فكل فريق – النظام والمعارضة - يحشد جزءا من رجال الدين في المعركة، وهؤلاء بدورهم نسوا واجبهم الدعوي الديني وتراشقوا في حرب كلامية موازية للحرب في الشوارع. لقد دخلت كلمات مثل الانقلابيين والمتمردين والشرعية الدستورية والوضع العسكري وجر البلاد إلى أتون حرب أهلية، في القاموس اللغوي لرجال الدين في اليمن.. فالحرب في اليمن اضحت حربان، في الشارع بين قوى الامن وقوات الجيش والحرس الجمهوري من جهة وبين ثوار الشعب من جهة اخرى، ثم حرب بين رجال الدين المؤيدين والمعارضين.. ثم يعمل كل فريق على استقطاب رجال وعلماء الدين ليناصره في معركته لضمان الحق الالهي في حربه على اعتبار ان الشعوب العربية مؤمنة ولا تعمل شيئا بعيدا عن ارادة الله. وللاسف دخل علماء الدين هذه الحرب متناسين ان دورهم وقت الازمات المحلية هو الدعوة الى التهدئة والسلم وليس صب الزيت على النار. المعركة كما اسلفنا بين علماء دين معارضون وعلماء دين مؤيدون.. فالفريق المناوئ يدعو الى ضرورة الخروج على نظام الحكم القائم وإباحة كل وسائل التظاهر والاحتجاج والاعتصام كحق مشروع لتغيير النظام. بيد انه في المقابل، خرجت جمعية علماء اليمن – وهي جمعية تابعة للحكومة - برد في اختتام مؤتمر عقدته في صنعاء تحت شعار «نحو رؤية شرعية واضحة»، جاء فيه أن الخارجين على ولي الأمر بالسلاح في حكم البغاة!!. وأفتى علماء الحكومة في توصياتهم بـ تحريم الخروج على ولي الأمر بالقول أو بالفعل وتحريم التظاهرات في الشوارع العامة، وأن قيام القوات الحكومية والأمن بحماية المنشآت هو جهاد في سبيل الله. كما حضوا جموع الشعب اليمني على التزام (بيعة ولي الأمر)، في إشارة إلى الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2006 وفاز فيها الرئيس علي عبدالله صالح. وبما انهم علماء دين، فقد خرجوا بصيغة بيان تصب في مصلحة النظام وتحرم كل ما عمل ضده. فعلى سبيل المثال، تضمن بيان العلماء حيثيات تحرم الاعتداء على المعسكرات والجنود الذين يقومون بواجب حفظ الأمن والنظام في البلاد، والتعدي على المنشآت الخدمية والممتلكات العامة والخاصة، وإثارة الفتن فيها والاعتداء على المدارس والجامعات وإغلاقها أمام طلاب العلم، إضافة إلى حرمة التظاهرات والاعتصامات في الطرقات العامة والأحياء السكنية. وبرر علماء النظام بيانهم بان ممارسات المعارضة محرمة شرعا وقانونا لما يترتب عليها من مفاسد كسفك الدماء والتعدي على الأمن وقطع للطرقات وإقلاق للسكينة العامة ولما تحمل من شعارات مخالفة للشرع وتفريق الأمة وتمزيق للوطن. المثير للدهشة ان علماء النظام لم يصدروا بيانهم المشار اليه الا بعد ان ضمهم لقاء مع علي عـبد الله صالح، وطالبهم خلاله باصدار بيان حكم الشرع تجاه ما يجري في اليمن، وهو ما فسرته المعارضة بأنه دعوة للعلماء لإصدار فتوى تبيح له القيام بحرب أهلية ضد مناوئيه وضرب ساحات الاعتصام بصورة شاملة. ولهذا.. رأينا عالما جليلا في مقام الشيخ يوسف القرضاوى رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ينتقد بشدة ما اصدرته جمعية علماء اليمن، لتأييدهم ما وصفهم بالحكام المستبدين في قتل شعوبهم. وفند القرضاوي ما ذكره علماء صالح من ان خروج الشعب على الزعماء - المستبدين - حرام شرعا، لان الفقه الإسلامي وروحه الأصيلة والثورية التى تطبق أحكام الشريعة تراعي مصالح الشعوب. ولذا، فان ما جاء في بيان جمعية علماء اليمن هو نفاق لحكام الظالمين الجائرين في سبيل دنيا زائلة، وان استدلالهم بقول الله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) في غير محله. واذا كانت المعركة السياسة لم تنته بعد او تحسم بين النظام والمناوئين له، فكذلك استمرت معركة الطرفين على استغلال الدين عبر علمائه الذين يجيدون اللعب بالالفاظ وللاسف الشديد بايات القرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة كل لمصلحة فريقه. ولم يسكت علماء فريق المعارضة، فردوا الحجة بالحجة واتهموا خصومهم - جمعية علماء اليمن - بأنهم علماء السلطة وأنهم يجيزون للنظام استباحة دماء اليمنيين وقمع تظاهراتهم المشروعة، بالمخالفة للدين. وحذر علماء المعارضة من عواقب إباحة دماء اليمنيين، لان من شأن هذا تعريض حياة كل من يعارض النظام للموت بغطاء ديني يمنح النظام تصريحاً بقتل معارضيه. من الواضح ان النظام اليمني يتخبط، ليس في الداخل فقط حيث يفتح المعارك داخل جماعة علماء الدين ويستغلهم لمصلحته، ولكن في الخارج ايضا، خاصة بعد مقتل انور العولقي في ضربة امريكية على مكان اختبائه، ثم يخرج مسئول يمني ويتهم امريكا بانها لا تحترم من يتعاون معها، فهل كان مطلوبا من واشنطن ان تتنازل عن مطلبها الداعي الى تنحي صالح عن السلطة بعد تعاون السلطات اليمنية في اغتيال العولقي احد اهم المطلوبين امريكيا باعتباره زعيم القاعدة في اليمن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها