النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

القانــــــون فـــــــي إجــــــــــازة

رابط مختصر
العدد 8215 الجمعة 7 أكتوبر 2011 الموافق 9 ذوالقعدة 1432

بدأ شغفي بالقراءة في القانون ومتابعة وقائع القضايا السياسية، بعد أن فوجئت باعتقالي لأول مرة عام 1966، ولم تكن معرفتي بالقانون أيامها تزيد علي معلومات متناثرة، جعلتني أجزم بأن أحدا لا يملك السلطة القانونية لاعتقالي، ففي مارس 1964 أعلن عن انتهاء حالة الطوارئ التي كانت قائمة منذ الوحدة المصرية - السورية عام 1958، وأفرج عن مئات من المعتقلين السياسيين.. وصدر دستور 1964 الذي ضمن الحريات العامة بما فيها حريات الرأي والتعبير.. وفضلا عن ذلك فإنني لم أكن من بين الفئات التي صدر، قبل إعلان الدستور بأيام، قرار بقانون يجيز لرئيس الجمهورية أن يعتقل المنتمين إليها، حتي لو لم تكن حالة الطوارئ معلنة، وكانت تشمل كل من سبق اعتقاله أو اتهامه أو الحكم بإدانته من محاكم الثورة والشعب وأمن الدولة، وكل من طبقت عليه قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم أو وضع تحت الحراسة.. وبالتالي فقد كنت واثقا مائة في المائة، أن صدور قرار باعتقالي هو خطأ قانوني لا يستطيع أحد أن يرتكبه.. وأن أقصى ما تستطيع الحكومة أن تفعله معي، إذا ما ارتكبت حماقة ثورية، هي أن تقدمني إلى نيابة أمن الدولة، لتتولى التحقيق معي ينتهي بالحفظ وفي أسوأ الأحوال إلى محكمة، تحكم ببراءتي. وجاءت الطوبة في المعطوبة، حين ارتكبت حماقة ثورية بسيطة، تتمثل في ثلاثة مقالات نشرتها، انتقدت فيها ثورة يوليو كنت حريصا وأنا أكتبها ألا تتضمن، ما يمكن اعتباره خروجا على القانون، أو على الدستور، ومع ذلك وجدت نفسي في معتقل طرة السياسي، حيث بدأت أبحث عن السند القانوني لقرار اعتقالي، وبعد مناقشات طويلة مع رجال القانون، الذين كانوا يزحمون المعتقل، كتبت عريضة في ثلاث صفحات بدأتها بفذلكة تاريخية عن ظروف اعتقالي، وختمتها بفذلكة قانونية، تجمع بين الاستفهام والاستنكار، متسائلا عن الإسناد القانوني، لقرار اعتقالي، مؤكدا أنه يفتقد لأي شرعية قانونية أو دستورية. وبعد نصف ساعة من تقديمي العريضة إلى سعادة الباشا مدير معتقل طرة السياسي، استدعاني سعادته، ولطعني أمام مكتبه دقائق، كان يتظاهر خلالها بقراءة العريضة.. ثم رفع رأسه ليقول لي وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة: عندك حق.. قرار اعتقالك يفتقد فعلاً لأي شرعية قانونية أو دستورية.. بسّْ إزاي واحد ثوري زي حالاتك.. ما قدرش يفهم أن القرار صدر استنادا إلى الشرعية الثورية؟ وأدركت أن الرجل، الذي ربما يكون هو نفسه صاحب التقرير الذي انتهى باعتقالي، يسخر مني، ومن الذين اعتقلوني، ويسخر من المنطق الثوري، الذي انتهى بأن أصبحت الثورة تعتقل حلفاءها، وتعين أعداءها حراسا عليهم! لكن هذا المنطق الثوري، الذي يحتقر القانون، بدعوى أن الثورة فعل حر، يطلق يد السلطة الثورية، في أن تفعل ما تشاء، طالما أن الهدف شريف وهو حماية الثورة، كان سائداً على نحو يصعب التصدي له أو التحذير من مخاطره. ففي وقت مواكب لذلك، كما قرأت فيما بعد، وفي مكالمة هاتفية بين المشير «عبدالحكيم عامر» نائب رئيس الجمهورية، وبين «سمير ناجي» رئيس نيابة أمن الدولة العليا، سأله المشير عن مبرر رفضه لإصدار قرار بالقبض على أحد المشتبه في أن لهم صلة بقضية سياسية كان يتولى التحقيق فيها، اعتذر رئيس النيابة بأن وقائع التحقيق لا تؤكد هذه الشبهات، وأن القانون لا يسمح له بالقبض عليه، وفي لهجة انفعالية غاضبة، قال له المشير: قانون إيه؟.. بلاش تخلف! وكان ذلك أيضا هو المنطق الذي دفع «سعد زايد» وزير الإسكان أيامها، وكان في الأصل ضابطا ثوريا ممن يؤمنون بأن الثورة هي نوع من أنواع الفتونة النبيلة، إلى شن حملة لإعادة مبالغ «خلوّ الرِّجل» التي كان أصحاب العقارات يتقاضونها من مستأجري الشقق السكنية، بدعوى أنها تعويض عن الفارق بين الإيجار الحقيقي للوحدة السكنية، وبين الإيجارات التي كان القانون يجبر الملاّك على القبول بها.. فأخذ يستدعي الطرفين إلى مكتبه، ويستمع لأقوال السكان، ثم يصرح للجميع بأنه أعطى القانون إجازة، ويهدد مالك العقار، بوضعه تحت الحراسة إذا لم يرد الخلو لأصحابه، فيعيده وهو صاغر.. وهو تصريح تحمست له، حين قرأته أثناء فترة اعتقالي، ولم أتنبه إلى أن اعطاء القانون إجازة هو الذي اضفى مشروعية على قرار اعتقالي، حتى قرأت مقالا للدكتور «جمال العطيفي» في «الأهرام» يعترض على تصريح الوزير واجراءاته، وينبهه بأن خلو الرِّجل جريمة في القانون القائم، ولكن أحدا لا يطبقه، وإنه كان عليه أن يقول إنه سيستدعي القانون من الإجازة بدلا من أن يتركه في الثلاجة ويمنح قانون الإجراءات القانونية إجازة هو الآخر! وفي الفترة بين الإفراج عني وإعادة اعتقالي مرة أخرى، ذهبت إلى دار الكتب لأبحث في جريدة «الوقائع الرسمية» عن نص القرار الجمهوري الصادر باعتقالي، تمهيدا للتظلم من الإجراء المصاحب له، وهو فصلي من العمل. وقال لي مسؤول بالدار إن أعداد الوقائع الرسمية التي تنشر فيها قرارات الاعتقال تطبع منها نسخ محدودة، توزع فقط على المسؤولين في أجهزة الأمن. وكنت مازلت في المعتقل، تطبيقا لقانون الطوارئ الذي كان قد عاد للعمل بعد هزيمة 1967، حين كتب «د. جمال العطيفي» مقالاً في «الأهرام» في أحد أيام شتاء 1969، يلفت فيه النظر إلى أن العدد الأخير من جريدة «الوقائع المصرية»، قد نشر قرارا لوزير العدل يعود تاريخه إلى عام 1956، ويلمح في نهايته إلى أن هناك قرارات جمهورية وقوانين تصدر، ولا تنشر في الوقائع الرسمية، وأن بعضها لا تطبع منه إلا نسخ محددة، لا يطلع عليها سوى الذين يناط بهم تنفيذها، مع أن نشر القوانين وإتاحة الفرصة أمام الجميع للاطلاع عليها، هو أحد شروط نفاذها! وفي اليوم التالي اعتقل «جمال العطيفي» وقال بيان للاتحاد الاشتراكي، إن المقال يشكك في الشرعية الثورية!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها