النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

منشور سياسي وسط البحر

رابط مختصر
العدد 8212 الثلاثاء 4 أكتوبر 2011 الموافق 6 ذوالقعدة 1432

يوم الجمعة الفائت، رميت البلاك بيري وأخواته، وتركت الفيس بوك وشاشاته، وأغلقت التويتر وعلاته، وأغلقت التلفزيون وغادرت البيت إلى البحر حيث الهدوء والسكينة. ركبت قاربي في جنح الليل متجهاً إلى منتصف البحر، وأغلقت محرّك القارب واستلقيت متوسّداً ثلاجتي الصغيرة التي ليس بها سوى قنينة ماء، ونظرت إلى السماء الصافية والقمر المضيء، ولم يكن في الأجواء من صوت غير صوت موج البحر الخفيض. كان هدفي أن أبتعد عن أجواء السياسة التي أنهكتنا في الأشهر السبعة الماضية واستهلكت كلّ ما نملك من حلم وأناة. في البحر لن أجد ازدحاماً مرورياً بسبب مسيرة، ولن اضطر لسماع الخطب السياسية الحمقاء التي لا تزيد الساحة إلا اشتعالاً ولا تزيد الأمور إلا تعقيداً، ولن يكون لديّ مجال للمشاركة في تويتر وقراءة التعليقات المحرّضة على الكراهية والداعية للاحتراب الطائفي والتي توهم النّاس بأنّ حل أزمتنا في البحرين هو تمكّن طرف من إلغاء الآخر وطرده من الدولة. آليت على نفسي أن أفكّر بأيّ أمر إلا السياسة، وأن أنشغل بأي شيء عدا أزمتنا الحالية، فلا تُتاح للمرء الفرصة في كلّ وقت لأن يهجر «اللابتوب» وأن يطلّق تويتر وفيسبوك بالثلاث، ويعيش كما كان حال القرى الوادعة التي كانت لا تستمع في ليلها إلا للهدوء والسكينة. وبعد ساعة من الاستلقاء والاسترخاء جلست وإذا بي على بعد أكثر من عشرة كيلومترات عن الشاطئ، ما الذي أخذني إلى هذه المسافة؟ إنه الموج، هل الذي استغلّ سكوني واسترخائي لكي يجرّني إلى المكان الذي يريده ويريد قاربي أن يرسو فيه. تذكّرت على الفور زعماءنا السياسيين الذين يدفعون بعامّة الناس إلى قواربهم دون إذن منهم، فيتكلّمون باسمهم ويدّعون أنّهم يمثّلونهم ويقودونهم إلى حيث يشاؤون من أهداف سياسية تزيد كراسيهم ارتفاعاً وتزيد جسد العامّة إنهاكاً وجراحاً. وهم يعملون جهدهم من أجل أن لا يكون للعامة صوت ولا كلمة ولا احتجاج ولا تحفّظ، مستخدمين كلّ وسائل الترغيب والترهيب الدينية والدنيوية من أجل منعهم عن التعبير عن آرائهم المنطلقة من رؤاهم الخالصة. فجأة وجدت نفسي في قلب السياسة من غير لا أدري. ألم أكن قد عاهدت نفسي ألا أفكر في شؤون السياسة في هدأة الليل هذه؟ طردت وساوسي واستلقيت مرّة أخرى وبدأت في رؤية تجمّعات النجوم، هناك كتل من النجوم، نجوم متجمّعة بكثافة في نقاط معيّنة، سبحان الله ما الذي يجعل هذه النجوم تؤلّف هذه التكتلات؟ هل كل تكتّل يرغب في أن يشيع بين بقيّة تكتّلات النجوم أنّه هو الأكثر عدداً والأحقّ بأن تكون السماء ملكه؟ هل يوجد في السماء دوّار يخيّم الناس فيه؟ ولو أنّي استخدمت التلسكوب ونظرت إلى أحد التكتلات هل سأرى النجوم متجمّعة حول جامع يشبه جامع الفاتح؟ ما الذي رماني في حضن السياسة مرّة أخرى؟ تبّاً لهذه الأفكار ما أثقلها! نهضت وأخرجت قنينة الماء وشربت قليلاً من الماء العذب، وسكبت ما تبقّى من القنينة في البحر. ما تبقى في القنينة كان بمقدار ليتر من الماء ولكنه ضاع في البحر المالح. هل يمكن لليتر من الماء أن يطغى على ملوحة البحر ويجعله عذباً؟ بالطبع لا. ولو كان ليتر الماء العذب يستطيع تغيير طعم ماء البحر لاستطاع المعتدلون في البحرين حلّ أزمتنا، فهم يتحدّثون في المجالس وتصدر عنهم المقالات ويعبّرون عن رؤاهم المعتدلة المنصفة في مواقع التواصل الاجتماعي ولكنهم لا يستطيعون تغيير الواقع، وتبدو أصواتهم وسط أصوات المتطرّفين والموتورين والطائفيين نشازاً، لأنّ أصوات هؤلاء هي الأعلى وهي الأكثر تأثيراً في الناس. ألا يبدو أنّي رجعت مرّة أخرى إلى السياسة وكنت معتقداً بأنّ قاربي سيأخذني إلى مكان لا سياسة فيه؟ حاولت أن أطرد كلّ فكرة سياسية ويبدو أنني نجحت في ذلك بعد أن تأملت القمر ورأيت نوره الساطع الذي يمنح الأمل والسعادة والاطمئنان في هذا البحر المظلم. ما الذي يجعل القمر يكتمل ثمّ يذهب نحو الإظلام مرّة أخرى؟ هل هو مثل أزمتنا في البحرين؟ كلّما ظننا أنّنا قد بلغنا مرحلة الانفراج وصار البعض يهنّئ البعض الآخر بانقشاع الغمّة وبانتهاء البلاء تعود الأمور إلى ما كانت عليه وأسوأ. هل حال أزمتنا مثل حال القمر، يوهمنا أنّه قد بلغ مرحلة الكمال ولكنّ الكمال ليس سوى مقدّمة للإظلام شيئاً فشيئاً حتى يعمّ الظلام الدامس. أدرت محرّك القارب وعدت إلى البلاك بيري والفيس بوك والتويتر، إذ يبدو أنّ السياسة ستظلّ تطاردنا حتى لو كنّا في وسط البحر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها