النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الـلـيـلـة.. والبــارحـة

رابط مختصر
العدد 8208 الجمعة 30 سبتمبر 2011 الموافق 2 ذوالقعدة 1432

في عام 1972، كنت أعمل بجريدة «الجمهورية» القاهرية، واقترحت على رئيس تحريرها المرحوم «مصطفي بهجت بدوي أن أكتب دراسة مسلسلة عن حياة الزعيم «مصطفى النحاس باشا»، فتحمس للفكرة من وجهة نظر صحفية ترى أن موضوعا من هذا النوع، هو «ضربة صحفية» يمكن أن تساهم في رفع توزيع «الجمهورية» التي كانت تعاني آنذاك من منافسة «الأهرام» و«الأخبار» وتحتل المرتبة الثالثة في توزيع الصحف اليومية الثلاث التي لم يكن يصدر غيرها في مصر آنذاك. وكان قد مرّ عشرون عاما على ثورة 23 يوليو 1952، ففرضت أجهزة الإعلام خلالها، تعتيما شاملا على اسم وصورة وتاريخ «مصطفى النحاس»، إلى درجة أن الرقابة على الصحف، كانت تشطب اسمه أينما ورد في أي مقال أو خبر، حتى لو كان في مجال التنديد به، وهو ما كان يعني في تقدير رئيس التحرير أن نشر أي سلسلة من الموضوعات الصحفية عنه، سوف يضيف إلى قراء «الجمهورية» آلافا من الجيل الذي عاصر الرجل، وناضل تحت قيادته للحركة الوطنية، فضلاً عن الجيل الذي كان في طفولته، عندما تقرر شطب اسمه وصورته من التاريخ. وكانت وجهة نظري - التي شاركني فيها مصطفى بهجت بدوي على الرغم من أنه كان تاريخيا ينتمي إلى حزب «مصر الفتاة» الذي كان يناصب «مصطفى النحاس» العداء - هي أن الأوان قد آن لتقييم موضوعي للرجل، الذي كان أحد أقطاب ثورة 1919، والذي خلف «سعد زغلول» في رئاسة «حزب الوفد» وقاد نضال الشعب المصري، خلال 25 عاما - بين 1927و1952 - دفاعاً عن الاستقلال والديمقرطية. وبعد أسابيع دفعت إلى «مصطفى بهجت» بالفصول الأولى من الدراسة فقرأها، ووافق على نشرها، لكنه اعترض على اقتراحي البدء بنشر حملة دعاية لها تحدد موعد ذلك، قائلاً إنه لابد أن يستشير في الأمر وزير الإعلام «د.محمد عبدالقادر حاتم» من باب البروتوكول ولأن المسألة تتعلق بسياسة إعلامية ثابتة تواصلت لسنوات، لابد من جس نبض «أصحاب الشأن» قبل مفاجأتهم بالخروج عنها علنا، مهما كان تقديرنا بأنه لم يعد هناك مبرر لاستمرارها، إذ ارتبطت بمخاوف قادة ثورة 23 يوليو في السنوات الأولى منها، من تأثير الجماهيرية الكاسحة لشخصية «مصطفى النحاس» على جماهيرية الثوار الجدد. واقترح «مصطفى بهجت» أن نعرض على وزير الإعلام، بروفة طبع نهائية لثلاثة فصول من الدراسة، بعناوينها الرئيسية والفرعية وصورها، حتى يستطيع تقييم الموقف استنادا إلى مضمون وشكل الصفحات التي سيطالعها القارئ، وكلفني بالإشراف على إعداد هذه البروفات. دفعت بالنصوص إلى قسم صف الحروف، وتوجهت إلى أرشيف الصور بحثا عما لدى «الجمهورية» من صور لـ«مصطفي النحاس»، وكانت تلك أول مرة أكتشف حجم الثروة الهائلة والنادرة من الصور الفوتوغرافية التاريخية التي تملكها «الجمهورية».. إذ كانت قد ورثت أرشيفات صور عدد من الصحف التي توقفت عن الصدور بعد ثورة 1952، إما لأن الزمن قد تجاوزها، أو لأنها دخلت في صدام مع السلطة الجديدة فأغلقتها، كان من أبرزها صحيفة «المصري» اليومية - أوسع الصحف الوفدية اليومية انتشارا- و«الزمان» المسائية، التي كانت تصدرعن دار صحفية تصدر - كذلك - عدة صحف بالفرنسية.. أبرزها «الجورنال ديجيبت» و«البورص إجبسيان»، والصحف التي كانت تصدر عن «شركة الإعلانات الشرقية» بالإنجليزية، ومن أبرزها «الإجبسيان جازيت» أقدم الصحف المصرية بعد «الأهرام».. وهي صحف انتقلت ملكيتها بالمصادرة أو بالشراء، إلى «الجمهورية» باعتبارها الصحيفة التي أنشأتها الثورة. ومع أن الأرشيف لم يكن منظماً بالقدر الكافي، خاصة لأن «الجمهورية» - والصحف التي تصدر عنها - لم تكن تهتم كثيرا بصور «العهد البائد» - إلاّ أنني وجدت حماسا شديدا من«عم صالح»، وكان شيخا عجوزا جاوز الستين، ورثته «الجمهورية» فيما ورثته عن أرشيف «المصري»، واستطعنا بعد مجهود استغرق ساعات طويلة، أن نجمع معظم ما يضمه الأرشيف من صور «مصطفى النحاس» في مختلف مراحل حياته، وكانت تزيد على ألف صورة أخذت منها صور الحلقات الثلاث ووضعت الباقي في أربعة ملفات ضخمة وسلمتها لـ «عم صالح»، فأودعها أحد أدراج الأرشيف. وخلال أيام قليلة، كانت تجربة الطبع النهائية للصفحات التي تحتوي على الحلقات الثلاث الأولى من دراستي عن «مصطفى النحاس» على مكتب وزير الإعلام، مزودة بالصور والعناوين، وكانت بالمصادفة - تدور حول التهم الذي شاعت عنه، ومن أهمها ما قيل حول فساد الحكم في عهد حكومات الوفد الثلاث الأخيرة.. بين عامي 1937 و1950، التي شملت توزيع أراضي الدولة بأثمان بخسة على الأقارب والمحاسيب، وطرح المواد التموينية المدعمة للبيع في السوق السوداء، والتجارة في أذون الاستيراد، والتلاعب في البورصة، وهي وقائع كانت حجر الزاوية فيها هي المرحومة «زينب الوكيل» حرم النحاس، التي أشيع أن نفوذها تعدى المال إلى السياسة، وأنها كانت تتدخل في اختيار الوزراء.. حتى إنها استقبلت وزير المالية ذات يوم قائلة: أهلا بوزير ماليتي. وتوقعت أن تشجع هذه البداية، التي توحي بأن الهدف من الحلقات هو مواصلة حملة التشهير بتاريخ «النحاس» وزير الإعلام فيوافق على نشر الحلقات.. ولكنه - على العكس من ذلك - لم يوافق.. وحين سألت «مصطفى بهجت» عن السبب، قال وعلى وجهه ابتسامة ذات مغزى، أن الوزير قال له، إن الحديث عن نفوذ السيدة زينب الوكيل قرينة مصطفى النحاس، سوف يستدعي في أذهان القراء المقارنة بينه وبين الدور الذي كانت السيدة «جيهان السادات» - قرينة الرئيس «أنور السادات»- قد بدأت تلعبه على مسرح السياسة المصرية.. ساعتها تنبهت إلى أن الليلة تشبه البارحة وأن التاريخ المصري يسير على قاعدة «داين تدان» وأن فساد الإدارة المصرية قانون كوني. وبعد شهور دخلت أرشيف الصور، فلم أجد «عم صالح».. وقالوا لي إنه رحل منذ أسابيع، وفتحت الدرج الذي وضع فيه أمامي صور النحاس.. فوجدته خاليا!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها