النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12187 السبت 20 أغسطس 2022 الموافق 22 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

عن «الظاهرة الأردوغانية».. ما لها وما عليها

رابط مختصر
العدد 8198 الثلاثاء 20 سبتمبر 2011 الموافق 22 شوال 1432

كثيرة هي الموضوعات التي يمكن، أو يجب، الكتابة عنها بعد عودة من إجازة طويلة. خلال شهري إجازة كانت ضرورية لالتقاط الانفاس بعد شهور من العمل الصعب والتوقف عن الكتابة في «الأيام»، باتت قائمة الموضوعات الملحة طويلة. يحار الواحد يكتب عن أي منها أولا. أو يحار يتجنب أيا منها. فبعض الكتابة كالجري مغمض العينين في حقل من الألغام. لا تعلم متى ينفجر أحدها، وخلال «الربيع العربي» لم يتغير الوضع كثيرا بالنسبة «للمحرمات» التي يتعين على الكاتب تفاديها. وليس ذلك نتيجة للمنع أو الرقابة. بل يستنكف الواحد أحيانا عن الدخول في جدل غير مجد. فلا ينفخ في رماد لا حياة فيه. ولا يثير دخانا يعمي العيون ولا فائدة ترجى منه. لكن بعض الموضوعات تجبر الواحد على الكتابة. ومنها رجب طيب أردوغان. كتب الكثير خلال الأسابيع القليلة الماضية عن رئيس الوزراء التركي، الاغلبية من الكتاب العرب كتبوا فيه المعلقات، وقصائد العشق والمديح. بعض من تلك ربما خجل من كتابته بن الرومي. أحدهم اعتبره جمال عبدالناصر، ورد عليه آخر بأن أردوغان «أفضل من عبدالناصر»، لأن الأول جاء إلى الحكم بالانتخاب أما الثاني، رحمه الله، فجاء بانقلاب عسكري، كما قال. لست هنا في وارد المقارنة بين الرجلين. فلكل منهما محاسنه ومساوئه. تلك مقارنة غير مجدية. فالزمن غير الزمن. والمكان ليس هو المكان. خاصة وأن الزعيم التركي أتى إلى الحكم عبر تداول للسلطة لم تعرفه بمعناه الحديث بلادنا العربية حين انتفض «ناصر» ورفاقه على الحكم الملكي قبل نحو ستة عقود. ما يهم في المقام هنا جولة أردوغان الاخيرة في «عواصم الربيع العربي» وتصريحاته المتكررة. والزخم الذي قوبل به. واضح اتجاه البوصلة. إطلالة سريعة على أسماء من التقاهم في القاهرة وتونس وطرابلس، وجردة بسيطة لما تم التطرق إليه في تلك اللقاءات يوضحان ما قد يخفى على البعض وسط ضجة «العرس الأردوغاني». معظم من التقاهم الزعيم التركي هم من «الإسلاميين المعتدلين»، أو بصراحة أكثر من تنظيم الإخوان. لا جدال في ذلك. ولا يقلل من أهمية الطرفين. أو يعيب على أحد، بل ربما كان من الضروري اجتماع الرجل بقادة التنظيم الذي يوشك على «الهيمنة» على الحكم في الدول الثلاث بمساعدة غربية واضحة: سياسيا واقتصاديا وحتى عسكريا (في الحالة الليبية). خاصة وأنه كان واضحا في الحديث عن «ضرورة علمنة» السياسة في مصر. وإن استدعى ذلك تحفظا من بعض مناصريه المصريين. لكنه حديث نحن في العالم العربي بحاجة شديدة إليه من رجل ذي خبرة وليس يتحدث من باب التنظير. وسيكون من المفيد، على المدى البعيد، للمجتمعات العربية التمثل بالنموذج التركي أو حتى الماليزي كنظامين سياسيين اتخذا من موازنة الديمقراطية الحديثة والتقاليد الإسلامية قاعدة للحوكمة. لكن هناك وجها آخر للمسألة الأردوغانية. معلوم أن تركيا، ومنذ تضاؤل فرصها في الدخول إلى النادي الأوروبي، باتت تتجه شرقا. وتوثق علاقات تجاهلتها طويلا بالعالم العربي. البدء كان في سوريا بعد رحيل حافظ الأسد. وعبر الوسيط الأمريكي توثقت علاقتها بالعراق فيما شكلت حرب لبنان لها فرصة للدخول في الساحة الشائكة هناك إلى حد تدخلها بالوساطة بين الأطراف المتناحرة في العامين 2008 و2009. تسعى تركيا إلى مد نفوذ مؤثر في المنطقة. وكان هناك حديث كثير عن تحالف تركي/ مصري/ سعودي لمواجهة المد الإيراني في المنطقة. انتهى الحديث مع تنحي الرئيس حسني مبارك. لكن أنقرة وجدت في ذلك ربما فرصة أكبر للدخول في المعمعة العربية تحت ستار كثيف من «المؤثرات الخاصة»، الجاذبة عاطفيا لقطاع عريض من العرب، بقطع العلاقات مع إسرائيل والدفاع الشرس (لفظيا حتى اللحظة) عن مصالح الفلسطينيين. من حق الدول الدفاع عن مصالحها. والتحرك سياسيا وفق تلك المصالح. لكن على العرب التمهل قليلا. فليس من الحكمة مواجهة نفوذ إيراني، كان يتمدد بسرعة حتى بضعة شهور خلت، بنفوذ تركي لا نعلم بعد حدوده أو موجباته، غير ما تسرب إلينا من بعض محاضرات ومقالات لوزير الخارجية أحمد داود أوغلو صاحب نظرية «العثمانية الجديدة». قد لا يعجب الكثيرين الدعوة إلى التحفظ عن المغريات التركية. لكن المنطقة العربية تمر بتحولات غير مسبوقة. وبعض دولها باتت هشة (مرتبكة: مصر مثالا) في مواجهة هجمات خارجية بعضها يتحرك باسم دعم الديمقراطية وبعضها الآخر باسم الدفاع عن القضية الفلسطينية. لكن الحكمة تفرض التركيز اليوم على بناء نظم سياسية، لا سيما في «دول الربيع العربي»، تلبي حاجات المواطنين، وتبعد شبح النزاعات، وتبني قواعد صلبة لمواجهة المستقبل وتحدياته الإقليمية والدولية. ربما كنا جميعا بحاجة إلى جولة أردوغان لتذكرنا بهذه البديهيات التي أنستناها التحولات المتسارعة في المنطقة. جميل هو بعض تلك التحولات. بعض الأحلام صارت واقعا. وتحقق في جزء منها بعض المستحيل. لكن هناك وقائع على الأرض يجب التعايش معها. وتحتاج إلى الهدوء وحسابات مجردة من العواطف أو العبارات المثيرة، التي تملأ صفحات «فيسبوك» أو أثير «الجزيرة». وقائع تفرض الانتباه إلى الامن القومي العربي ومصالح المنطقة الإقليمية. هذا الميزان الذي يجب أن تعرض عليه «الظاهرة الأردوغانية» ويحكم عليها من خلاله. ببساطة. والله من وراء القصد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها