النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10906 الأحد 17 فبراير 2019 الموافق 12 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:54AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

الربيع العربي.. روائح الورود أم رياح الخماسين؟

رابط مختصر
العدد 8195 السبت 17 سبتمبر 2011 الموافق 19 شوال 1432

أشار بعض المحللين الغربيين الى مخاوفهم بان يستولى الإسلاميون على السلطة في الدول التي نجحت شعوبها في إسقاط أنظمتها، الأمر الذي يحول المنطقة برمتها الى حكم إسلامي او ما يشبه دولة الخلافة الإسلامية اذا ما اتفقت الشعوب او الأنظمة الجديدة على تعميم الحكم الإسلامي كسلطة حاكمة. ويواجه هؤلاء المحللون الذين ينشرون هذا الفكر كفزاعة جديدة من الربيع العربي، نظرية اخرى يتم تداولها في الغرب ايضا، تقول ان تولي الإسلاميين السلطة في بلدانهم سيخفف من تهديدات الأعمال الإرهابية في أوروبا والولايات المتحدة.. لماذا هذا التحليل؟ منبع هذا التحليل هو ان سقوط دول أمنية وقمعية في المنطقة سيتيح بالتأكيد فرصا أمام الجماعات الإسلامية للتحرك، وبالتالي، ستعود الجماعات الجهادية الدولية الى عواصمها بعد فترة قصيرة، لاعتقادها بان الفرصة اصبحت متاحة حقا لعناصرها حاليا لإسماع صوتهم داخل بلدانهم، وبالتالي، لن يكون الغرب هدفا لاعمال ارهابية من قبل الجماعات الجهادية. وربما يكون مرجع هذا التخوف هو ما اعتبرته إيران الرسمية والدينية رغم اعتقادنا البالغ بان كلاهما - الرسمي والديني - كيان واحد، بان نجاح بعض الشعوب العربية مثل تونس ومصر وليبيا حتى الآن في تغيير انظمتها، بمثابة تمهيد الأرضية لقيام «شرق أوسط إسلامي» . فإيران لم تخفِ ارتياحها الكبير للتطورات في تلك الدول وخاصة مصر، معتبرة ان سقوط الأنظمة فيها من إنجازات الثورة الإيرانية التي الهمت الشعوب العربية في التخطيط لمصيرها كما تريد.. والاهم في الموقف الإيراني، هو تحريض طهران لبقية الشعوب في التحول الى الحكم الإسلامي الذي يعيش فيه جميع الأحرار وطلاب العدل والاستقلال.. ولا يزال الإيرانيون ينتظرون نجاح بقية الثورات باستثناء نهضة الشعب السوري، معتبرين ان نتائج ثورات الربيع العربي، لأنها تستند الى الصحوة الإسلامية ولا يمكن لها أن تنحرف عن مسارها الطبيعي. وليس غريبا ان يحاول الإيرانيون سرقة ثورات الربيع العربي وفوران الديمقراطية في المنطقة، فالإيرانيون زعموا ان الربيع العربي هو استمرار للديمقراطية الحقيقية في الثورة الإسلامية الإيرانية. هذا عن المخاوف الغربية حيال ثورات الربيع العربي ومزاعم الإيرانيين بحوافزها.. اما السؤال الاهم في وقتنا الراهن، فيتعلق بضرورة الكشف عن الأسباب الحقيقية للثورات، رغم اختلاف طبيعة المكان؟. الإجابة تتلخص في ان أسباب الثورة متعددة، فمنها السياسية، وتتمثل في جمود المشاركة السياسية وانفراد جهة وحيدة - الحزب الحاكم - باتخاذ القرار السياسي. وكلنا نعلم القيود المشددة التي فرضت على التعددية السياسية مقيدة وعدم السماح بقيام أحزاب سياسية جديدة اللهم سوى ما ترضى عنه السلطة، مما ساهم في إضعاف الحياة السياسية الأحزاب السياسية وافتقار تلك الأحزاب للبرامج التي تنهض بالبلاد. ويدخل في الشق السياسي ايضا ما يسمى بزواج الثروة بالسلطة، أي الاقتصاد بالسياسة، وهو ما ظهر في تونس ومصر وسوريا، حيث شارك رجال الأعمال في عملية إفساد النظام السياسي، من اجل مصلحتهم فقط والاستفادة المالية الضخمة على حساب بقية افراد الشعب التي تئن تحت وطأة الفقر والمعاناة. وطبيعي اذا تحدثنا عن المحفز السياسي لثورات الربيع العربي، ان نعرج الى العامل الاقتصادي، ويتمثل في غياب رؤية استراتيجية للتنمية الاقتصادية، في ظل نهب ثروات البلاد من قبل عدد قليل جدا من رجال الأعمال تاركين معظم الشعوب تعيش تحت خط الفقر وهم في حالة بؤس كامل. هذا بالاضافة الى مشاركة رجال السلطة ورجال الأعمال فى خديعة كبرى نحو الشعوب، حيث قامت الأنظمة - باستثناء سوريا تقريبا - بإقامة اقتصاد افتراضي يقوم على المضاربات في البورصة، الامر الذي اثرى من ورائه نفر قليل جدا، فيما خسر في هذه معظم صغار المتعاملين، وبلغت خسائرهم ملايين الدولارات التي ذهبت على الفور الى الاغنياء. بيد انه مقابل الأزمتين السياسية والاقتصادية، شهدت دول الربيع العربي نقلة نوعية في التقدم التكنولوجي، خصوصا مجتمع الشباب، الذي عاش في عالم الانترنت الافتراضي واستطاع التواصل عبر هذا العالم للوقوف على الأسباب الحقيقية لتخلف بلدانهم عن الركب الحضاري والعالمي. وصب هؤلاء الشباب جام غضبه في هذا العالم واستطاعوا من خلاله الوصول الى اكبر عدد ممكن من المطلعين على الانترنت، وشرعوا في تنظيم انفسهم والتمهيد لاكبر ثورة عرفها العالم العربي وربما العالم كله في العصر الحديث، وهي الثورات التي اتاحت لمعظم الجماهير الغاضبة - ولكن الصامتة - الى مشاركتهم غضبتهم والتخطيط للعبور الشعبي الآمن من السلطوية إلى الديمقراطية. واذا كنا تحدثنا عن مزاعم إيرانية بان ثورات الربيع العربي ما هي إلا نتاج طبيعي للثورة الإسلامية الإيرانية بما يمهد الأرضية الى اقامة شرق اوسط إسلامي، بما يمكن القول معه انه رغبة إيرانية دفينة في سرقة ثمار الربيع العربي.. فثمة مخاوف اخرى على جانب كبير من الاهمية، وتتعلق بسرقة ايضا، وتتمثل في طبيعة التدخلات الغربية - أوروبية وأمريكية - في تلك الثورات بسبب المصالح. فطبيعي والامر هكذا، ان يكون للدول الكبرى مصالح إستراتيجية، تدفعها للتدخل في دول المنطقة، تحت مسميات كثيرة، اقلها الرغبة في نشر الديمقراطية، واهمها الاستفادة من ثروات تلك الدول، وهنا نشير الى النفط الليبي تحديدا، الذي دفع حلف الناتو الى المشاركة في توجيه ضربات صاروخية وجوية موجعة الى مقار اقامة معمر القذافي ومعاقل الجيش الليبي قبل نجاح الثوار في السيطرة على العاصمة طرابلس وهروب القذافي الى خارج العاصمة. فالمصالح الغربية تتركز على الشق الاقتصادي والسيطرة على الثروات والأسواق والاستثمارات، طبعا ناهيك عن الأسباب الأمنية - إستراتيجية، لتسهيل عمليات التدخل في اعادة رسم الشرق الأوسط الجديد، خاصة وان حلف الناتو والولايات المتحدة سبق وان اعدا اكثر من دراسة حول هذا الموضوع. ويجب ان نعلم نحن العرب بصورة عامة وشعوب دول الربيع العربي بصفة خاصة، ان الغرب يستهدف من خلال تدخلاتهم السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، إحداث تغييرات جوهرية في بنية السلطة، بما يدفع النظام الجديد الى اتخاذ او تبني مواقف وسياسات تتوافق والرؤى الغربية والأمريكية. ولكن على هذه القوى الغربية والإيرانيين ان يعلموا ان ثورات الربيع العربي لم تنجح بسبب تدخلاتهم ودوافعهم، وانما لان الشعوب فاض بها الكيل، وارادت البدء في تدشين حياة سياسية واقتصادية جديدة وتدفن كل ما سبق.. فالشعوب المتثورة تبغي الوصول الى حالة الاستقرار الاستراتيجي وانهاء حالة التوتر - الطائفي والديني والسياسي - للنهوض بالبلاد الى مستقبل أفضل في اسرع وقت. وليس بالضرورة ان تكون الفترات الانتقالية طويلة. إجمالا.. فان سقوط النظام في سوريا او اليمن سيعطي بلا شك زخما جديدا للربيع العربي. والمهم الا تكون هذه الثورات مثل «جعجعة بلا طحين» خاصة وان أحاديث الثوريين الان تركز كثيرا عن الإصلاحات والانتخابات الحرة، ولكن الواضح للعيان ان دول الربيع العربي لم تنهض بعد من اعمال العنف والاضطرابات، ولم نر حتى وقتنا الراهن انجازات ملموسة على الأرض. وكان يجب على شعوب دول الربيع العربي بعد التخلص من أنظمتهم العمل على إبراز ان يكون نجاح الثورة بداية سريعة لمرحلة جديدة توفر القيادة السياسية لتجنب التوترات والاضطرابات. فالكل يأمل ان يكون الربيع العربي مثل رواح الورود وليس مثل رياح الخماسين، ويذهب كل ما أنجزوه سدى، او يكون نجاحهم نصف نجاح او فشل في نهاية المطاف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها