النسخة الورقية
العدد 11177 الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

فــي إشـكــالـــيــة فـــهــــم مــا يُـكـــتــب!!

رابط مختصر
العدد 8194 الجمعة 16 سبتمبر 2011 الموافق 18 شوال 1432

مثل كثيرين غيري من أبناء وطني المغدورين في تسامحهم وطيبتهم والمجروحين في شموخهم وكبريائهم، أجدني أخشى ما يخشونه، وأخاف ما يخافونه أيضا من أن تنطلي على البسطاء منا لعبة الكتابة ودسائسها في الفراغ العاطفي والكياني الذي استولدته الأحداث الأخيرة من رحم المجهول، ومغامرات التدوين في مساحة الهوة الاجتماعية العميقة التي تخلقت من وهم الدوار ومعاقريه؛ فاهتزت جراء ذلك مصداقية اعتدادنا بتسامحنا في محيطنا العربي، وطال تأثير هذا الاهتزاز أهم دعامة من دعائم سلمنا الأهلي وأضر بوئامنا الاجتماعي إلى درجة جعلت أحدهم يستسهل التلويح بالحرب الأهلية مآلا يترصد بنات البحرين وأبناءها. وما أخشاه شخصيا أن تشيّد هذه الكتابات بروجا في عوالم افتراضية تغري البعض من أبناء الطائفتين الكريمتين بالعيش فيها بمعزل عن بعضهم البعض، وهذا ما حذر منه جلالة الملك في كلمته السامية بمناسبة العشر الأواخر حين قال «... فلا أحد منا يريد أن يعيش وحيدا بطيفه، وأن يستبعد الآخرين. إن نجاحنا هو في إخائنا المتنوع في ثقافاته، والمتوحد في وطنيته وحضارته». بهذه المقدمة التي استطالت بعض الشيء أردت أن أفتح نافذة على ما ينشر في صحافتنا؛ لأشير بعمومية إلى ما «يتحفنا» به كتاب طائفيون لا نعدم وجودهم متخفين خلف عناوين جميلة في صحفنا الوطنية. لا ريب أن هناك صعوبة يواجهها القارئ في معرفة من يكتب حبا في الوطن ومن يكتب حبا في الطائفة، ومن يكتب مقدما حبه لوطنه على حبه وانحيازه لطائفته، وذاك الذي يقدم حبه وانحيازه لطائفته ومذهبه على حبه لوطنه. وفي هذه الثنائية أجد أن انتقاد السلوك السياسي لجمعية الوفاق والذي يضع البلاد في حالة من الاحتقان المستمر يوقعنا في هذا اللبس، بل ويوغل بنا في إشكالية فهم ما يُكتب ومن يَكتب. ورغم ذلك يجب أن نكتب، ولكن علينا أن نتحرى الدقة في الفصل بين الطائفة التي لها كل الاحترام والتبجيل، والتيار السياسي المتشكل على خلفية ذلك المذهب؛ إذ ان الخلفية المذهبية لا تعطي أيا كان الحق أبدا بامتلاك تمثيل هذه الطائفة أو تلك لكونه ينتمي إليها. يجب علينا ألا نتخلى عن النقد بهدف التصويب، وإلا غرقنا في أوهام ما يعتقد به بعض مدعي الحقيقة من المؤدلجين. ولك أن تظفر أيها القارئ العزيز بمن وجدوا ضالتهم في تجييش الآخر وتسخير جهالتهم لتكون ناطقة في المشهدين الاجتماعي والسياسي بما يضمرونه من سوء من خلال تفحص ما برعوا في إنتاجه من الكلام المسيء والمحقّر لقناعات الآخرين في شكل مقالات ترشح منها كراهية يتفننون في تدبيجها مع انبلاجة كل فجر وطالع كل نهار بمفردات تفيض كراهية وتنز عداء سافرا وتحمل من شحنات التحريض ضد الآخر في الطائفة الأخرى ما يكفي لخلق حالة من عدم الثقة بين المكونين الاجتماعيين الأساسيين في المجتمع؛ حتى ليبدو لك أن الكاتب قد ضيّع فيها الفرق بين نقد السلوك السياسي والتحريض السياسي. وما يمكن استخلاصه من هذه الكتابات هو تسوية سياسوية فجة بين الوفاق وإخواننا وأخواتنا من الشيعة الكرام، واختزال عجيب لهذا المكون الاجتماعي الثري المتنوع في جمعية الوفاق؛ فإذا بكل نقد لسلوك الوفاق يُضحي بهذا المنطق السياسوي الاختزالي هجوما على شيعة البحرين، وكأن الجماعة قد اجترحت من اللغة اسما جديدا للمذهب الشيعي صار بمقتضاه يُدعى «الوفاق» تلك التي زينت الكذب وضخمته بعدم الكف عن المزايدة السياسية من خلال إشاعة تمثيليتها في العالم زورا وبهتانا بأنها الممثل الرسمي والشرعي والأوحد للمكون الشيعي في النسيج الاجتماعي البحريني. كما ان الدفاع عن هذا السلوك الذي يفسر من وجهة النظر الأخرى على أنه سلوك صحيح يرى فيه المكون المجتمعي الآخر محرضا على البغض ضد الطائفة التي وقفت عن بكرة أبيها في الفاتح شاهرة رفضها المطلق لكل الشعارات الطائفية التي رُفعت في الدوار. ولو أن القارئ قصد تفحص أهداف هؤلاء الكتاب الذين أعني، وذهب بعيدا للكشف عن نواياهم وتحري الدقة في التأكد من هوياتهم لوجد أنهم ينتمون إلى موقفين متباينين. وفي هذين الموقفين المتباينين يكمن الخطاب التحريضي الذي فيه ما فيه من إثارة للحقد والكراهية بين مكونات شعب واحد يستمد هويته وكيانه الاجتماعي والسياسي والتاريخي من معاني المواطنة الحقة النابعة من الدستور وليس مما يتلفظ به علي سلمان وخليل المرزوق وأضرابهما عندما يفردون عضلاتهم في حشود فيبثون سموما لا تحمل أي معنى غير إحداث الوقيعة بين المكونين الرئيسيين لمجتمعنا سنة وشيعة. والحكم هنا بطائفية بعض من نقرأ لهم بالطبع حكم شخصي مبني على فهم أخاله دقيقا لما يكتبه هذا البعض الذي يشكل خطرا على الوحدة الوطنية ويسهم في هدر طاقات الدولة في توفير مستلزمات حفظ السلم الأهلي حفظا صيرته «الوفاق» وشقيقاتها مدخلا للتشهير بمؤسسات الدولة في المحافل الدولية وخصوصا تلك التي تُعنى بحقوق الإنسان. إذن نحن هكذا نبدأ يومنا بالغث من الكلام بعد أن نكون قد قضينا ليلنا نتجرع الألم من تصرفات من يفترض أنهم بلغوا الرشد، وهم يلقنون الأطفال دروسا في الحقد والكراهية ضد الآخر، ويرسمون لهم أهدافا تحاول أن تنال من رجال الأمن وينتقون لهم أماكن حرائقهم، ويتخيرون لهم محاضن مؤلمة لتفجيراتهم هنا وهناك؛ للنيل من سمعة الوطن وأمن مواطنيه المسالمين وسلامتهم يدفعهم في ذلك وابل من كلام تحريضي تقود جوقته كل الجماعات التي تراهن على نشر الطائفية للنيل من أمن المواطنين واستقرار البلاد، غير آبهين بالصهير المنسكب الذي سنجد يوما ما أنفسنا في سعيره إذا لم نعقد النية الصادقة على فضح من يتسبب في ذلك، وهدم كافة مشاريعه ومخططاته بقوة القانون بعد أن عجز الوازع الديني والإنساني عن القيام بذلك مما يشير إلى حجم الحقد الذي يوغر الصدور. وكيف يفسر مشهد الطفولة التي نراها تمارس عمليات التخريب والحرق، وتتحلق أمام حاويات القمامة في مشهد بائس، يقنع بأنها تسعى إلى ترسيخ الديمقراطية وبناء الدولة المدنية؟ ثم ألا يؤشر ذلك على تعمق التحريض الطائفي في سلوك قيادات الوفاق، وبلوغه مبلغا لم يشهده مجتمعنا طوال تاريخه الحديث والمعاصر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها