النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12187 السبت 20 أغسطس 2022 الموافق 22 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

لا تحجبوا عنّا الضوء أيها المثـقــفـــون

رابط مختصر
العدد 8191 الثلاثاء 13 سبتمبر 2011 الموافق 15 شوال 1432

كنت أظنّ أننا شعب تشكّل الثقافة لأفراده حصناً منيعاً ضدّ أي دعوات طائفية أو ممارسات دينية إقصائية، ويبدو أنّني كنت مأخوذاً بالفعاليات الثقافية التي لا تنتهي وبالأمسيات الشعرية وبمعارض الفنون التشكيلية وبالحفلات الموسيقية وبالمسرحيات وكنت مبهوراً بالمؤلّفات البحرينية لشبابنا وكهولنا ورجالنا ونسائنا وبالأندية الثقافية والمنتديات الأدبية بالقرى والمدن، ولقد أعماني هذا الانبهار عن رؤية ما يختبئ خلف هذه الأضواء الكاشفة والأجواء المبهرة، فقد اكتشفت فيما بعد أنّ كلّ ما كنت أتوهّمه أنّه ثقافة كان عبارة عن قشرة رقيقة زاهية الألوان يختبئ خلفها خواء ثقافي وفكري وسرعان ما أتت الأزمة الأخيرة لتكشف عمّا وراء هذا الستار من خواء. استغربت مؤخّراً من دعوات البعض لمقاطعة برنامج «تاء الشباب» وبرامجه الثقافية المتنوّعة بدعوى أنّ الحكومة تحاول التستّر على أخطائها وممارساتها الأمنية في القرى من خلال هذا الغطاء الثقافي، وهي تحاول إيهام المتابعين للأزمة البحرينية في الخارج أنّ البحرين بدأت بالتعافي وقد بدأت البرامج الثقافية تعود من جديد ويعود معها وجهها الحضاري المشرق. والغريب أنّ هذه الدعوات لم تصدر من الأطفال الذين يخرجون هذه الأيام عند نواصي الشوارع لرشق الشرطة بالطوب، ولمنع المارّة من ارتياد الشوارع الحيوية والتجارية، ولم تأت هذه الدعوات من المراهقين الذين يرتادون هذه الأيام صهوة السياسة في مواقع التواصل الاجتماعي كما يرتاد المراهقون «البانشي» في الصخير في عطلة الربيع، ولكنها صادرة من أناس كنّا نعدّهم من النخب الثقافية، وكنا مطمئنين أنّ ثقافتنا ستكون في مأمن بوجودهم وهم الذين كرّسوا حياتهم للثقافة وفنونها المتعدّدة حتى أصبحوا علامات مميّزة فيها. لماذا اختار هؤلاء مقاطعة تاء الشباب بالتحديد، وهم يعلمون أكثر من غيرهم أنّ هذا البرنامج الثقافي لم يُخترع اختراعاً هذا العام بسبب الأزمة وإنما كان يطلّ علينا بخفّة ظلّ في كلّ صيف، ولقد جرى تأسيسه من قبل مجموعة من الشباب الشيعة والسنّة، كانوا ومايزالون مثالاً للتجمّعات الثقافية البحرينية المتسامية على الخلافات المذهبية والصراعات الطائفية؟ لقد تفتت كثير من التجمّعات الثقافية وغيرها بفعل الأزمة. صارت هناك مسرحيات ذات طواقم شيعية وأخرى ذات طواقم سنّية، وهناك أنشطة ثقافية تعطّلت بسبب امتناع المنتمين لهذه الطائفة عن الاشتراك في نشاط ثقافي مشترك مع منتمين من تلك الطائفة، أمّا العاملون في تاء الشباب فقد استطاعوا الاحتفاظ بعلاقتهم المتميزة وترابطهم الشبابي الجميل رغم الأزمة الممضّة، ومازالت الابتسامة تظلّل لقاءاتهم في «كاريبو السيف» ومازالوا يتوزّعون في سياراتهم لزيارة الأماكن المزمع تنظيم فعالياتهم بها دون حسبة طائفية، ولقد كان الأولى بـ «المثقفين» دعمهم وتشجيعهم على استمرار تواصلهم بدلاً من الدعوة إلى مقاطعتهم وإفشال هذا التجمّع الشبابي الجميل. لا أريد أن أتحدّث باسم المؤسسين لتاء الشباب ولا باسم الشباب المنظّمين لفعالياته، فلم أكن واحداً منهم في التأسيس ومازلت، ولكنّي سأتحدّث عن نفسي كمشارك في أنشطته وبرامجه، فلي الفخر أن أكون في مقدّمة المشاركين في فعالياته لهذا العام، ولن تكون مشاركتي استخفافاً بأرواح ضحايا الأزمة واستهانة بدمائهم الزكيّة، وذلك لأنني لا أعدّ الثقافة ترفاً ولا أعتبر قراءة الروايات وكتب النقد والمسرحيات مجرّد تسلية وتمضية وقت، فـ» المثقفون» الداعون إلى المقاطعة يعلمون أكثر منّي أنّ أزمتنا الحالية هي أزمة ثقافية بالدرجة الأولى وأنّ المخرج منها على المدى البعيد لا بدّ أن يكون ثقافياً. أقول لهؤلاء «المثقفين»: إذا كانت لديكم قناعاتكم الخاصة بالامتناع عن حضور فعاليات تاء الشباب، فهذا شأنكم ونحن نحترم قناعاتكم ولن يكون في وسع أحد إجباركم على المشاركة، ولكن لا تعمّموا دعوة المقاطعة هذه على كلّ الشباب الذين كنا ننتظر بفارغ الصبر أن يأتي كلّ صيف من أجل أن يحظوا بجرعة من الجرعات الثقافية بالمهرجان، ولا تحاولوا أن تصوّروا المشاركة فيه وكأنها عدم اكتراث بأرواح الشهداء وبدمائهم الطاهرة وبمعاناة المتضرّرين من الأزمة. لقد استنفدت أزمتنا من طاقات الحبّ والطيبة والتواصل المغروسة فينا بالفطرة، وأصبحنا نبحث عن إشعاعات الأمل هنا وهناك، لقد كان تجمّع تاء الشباب إحدى الإضاءات المميّزة التي نعوّل عليها كثيراً في تذكير مجتمعنا البحريني المتعدد والمنسجم على مرّ السنين بأنّ علاقتنا التي تربطنا ببعضنا سنّة وشيعة أقوى من كلّ الأهواء السياسية والمصالح الحزبية، فلا تحجبوا عنّا الضوء أيها «المثقفون».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها