النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الذين يدخلون التاريخ من باب المسخرة يخرجون منه من

رابط مختصر
العدد 8187 الجمعة 9 سبتمبر 2011 الموافق 11 شوال 1432

الذين يدخلون التاريخ من باب المسخرة.. يخرجون منه من باب الإنصاف مع أن التاريخ لا يخلو أحياناً من المساخر، إلا أنه لا يفتقد أبدا إلى الإنصاف، ولو لا ذلك لشهد هذا العام احتفالا بالعيد الأربعين لـ»ثورة التصحيح» في 15 مايو 1971، والعيد الثلاثين لـ»ثورة 5 سبتمبر 1981»، وهما ثورتان مصريتان تنتميان إلى عهد الرئيس الأسبق «أنور السادات»، دخلتا التاريخ من باب المسخرة وخرجتا منه من باب العدل والإنصاف. و15 مايو 1971 هو اليوم الذي استطاع فيه الرئيس «السادات» أن يتخلص من «مراكز القوى» وهو الاسم الذي اطلقه على شركائه في وراثة تركة عبدالناصر الذين دعموا ترشيحه لخلافته، وفي ظنهم أنه رجل بلا طموح، وأنه سيكتفي بنصيب متواضع من التركة، هو أبهة المنصب ومظاهره. ويترك لهم كل مفاتيح السلطة الحقيقية، فاحتفظوا لأنفسهم بوزارات الدفاع والداخلية والمخابرات والإعلام والنقل وشؤون الرئاسة، وسيطروا على المناصب الرئيسية في تنظيمات الاتحاد الاشتراكي العربي من القمة إلى القاعدة، بأنفسهم أو بأنصارهم. ولأن الله يضع سره في أضعف خلقه، فقد استطاع «السادات» الذي لم يكن في يده من السلطة سوى مقعد رئيس الجمهورية أن ينتصر على هؤلاء جميعا، وأن يقودهم من قمة هرم السلطة إلى زنازين السجون، وأن يقدمهم إلى «محكمة ثورة» بتهمة الخروج على مبادئ ثورة 23 يوليو 1952 والعدوان على حريات المواطنين. ومع أن سبب الأزمة كان صراعا على السلطة فقد اصطنع لها كل طرف سببا آخر ظن أنه الأكثر جاذبية للجماهير، فقالت مجموعة مراكز القوى إن «السادات» يريد أن يتجه إلى أمريكا وقال «السادات» إن خصومه يعارضون اتجاهه نحو تصفية المعتقلات ووقف التنصت على التلفونات وإطلاق الحريات، وكان ذلك أحد أسباب انتصاره عليهم، إذ كان إهدار الحريات يضغط أيامها وقبلها وبعدها، بقوة على أعصاب المصريين. وهكذا دخلت ثورة التصحيح من باب الصراع على السلطة، وهو من أبواب المسخرة الشائعة في تاريخ مصر.. وفي تاريخ غيرها من بلاد العالم. وطوال السنوات العشر التي حكم خلالها «السادات» مصر كان الاحتفال بثورة التصحيح يشمل سلسلة من الأعياد، تبدأ في 14 مايو بالاحتفال بـ»عيد مجلس الشعب» باعتباره اليوم الذي قرر فيه المجلس فصل 17 من أعضائه من بينهم الرئيس والوكيلان لأنهم من أنصار مراكز القوى، و»عيد إحراق الشرائط» نسبة إلى اليوم الذي اشعل فيه الرئيس في فناء وزارة الداخلية، تلاً من شرائط التسجيل، قيل إنها كانت تحتوي على حصيلة التنصت على تلفونات المواطنين، و«عيد تحطيم المعتقلات» نسبة إلى اليوم الذي ضرب فيه بيمناه» سلمت يمناه» أول فأس لهدم عنبر المعتقلين والمسجونين السياسيين في سجن ليمان أبوزعبل وكان «السادات» يختار أحد هذه الأيام لكي يلقي فيه سلسلة من الخطب يعلن خلالها اجراءات ثورية. وخلال هذه السنوات، وبالذات في أسابيع الاحتفال بأعياد ثورة التصحيح، ازدحمت الصحف بعشرات الآلاف من المقالات التي تتغزل في ديمقراطية 15 مايو، ومئات الصفحات من التحقيقات والإعلانات التي تهنئ بالثورة، وتبارك لبطل الحريات، وتندد بالعهد البائد الذي كممت فيه مراكز القوى أفواه المصريين.. واكتظت نشرات الإيداع بدار الكتب المصرية بمئات العناوين لمؤلفات أكاديمية ودواوين شعر من نوع «15 مايو.. ثورة التأصيل الفكري» و»مايو حبيبي» و»مايو يا غرامي» واطلق اسم «مايو» على مدن وأحياء ومدارس ومستشفيات وبوتيكات وجسور علوية وصحف، وفضلا عن الأغاني فقد ساهم «مايو» في حل العقدة الدرامية لكثير من الأفلام السينمائية، إذ ما تكاد الأزمة تصل إلى ذروتها حتى تقوم ثورة 15 مايو، فيخرج البطل من سجون مراكز القوى ليتزوج البطلة ويعيشا في التبات والنبات وينجبا صبيانا وبنات! وخلال هذه السنوات، تراكمت، كذلك، التناقضات بين كل القوى السياسية وبين قيادة ثورة 15 مايو، وانتقل بعضها من تأييدها إلى معارضتها، واتسع نطاق المعارضة وتصاعد نشاطها خاصة بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل فلم يجد قائد ثورة التصحيح حلا إلا بالقيام بثورة جديدة، هي ثورة 5 سبتمبر 1981 التي شملت إغلاق صحف المعارضة، ونقل الصحفيين وأساتذة الجامعات إلى أعمال غير صحفية وغير أكاديمية، واعتقال 1536 من المعارضين السياسيين ينتمون لكل التيارات وإيداعهم في عنبر المعتقلين بسجن ليمان أبوزعبل، الذي كان قد أعيد بناؤه، بعد أن ضرب بيده الكريمة، سلمت يده، قبل عشر سنوات أول معول لهدمه.. وقال إنه أراد أن يحمي الديمقراطية ممن يستغلونها للقضاء عليها.. وأطلقت الصحف على يوم 5 سبتمبر 1981 اسم «ثورة الديمقراطية». ولو لا أن «السادات» قد اغتيل بعد ذلك بشهر واحد، لما اختفت ثورة التصحيح وثورة 5 سبتمبر من قائمة الثورات المصرية، ولما مر العيد الأربعون للأولى منذ أسابيع من دون أن يحتفل بها أحد، ولما مر العيد الثلاثون للثانية هذا الأسبوع من دون أن يتذكره أحد.. لأن ما يدخل التاريخ من باب المسخرة.. يخرج منه من باب الإنصاف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها