النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

كان لأعيادنا شذى وأريج!!

رابط مختصر
العدد 8187 الجمعة 9 سبتمبر 2011 الموافق 11 شوال 1432

بخلاف كل الأعياد التي اجترحها الإنسان ولايزال يفعل كمحطات استراحة يعلق فيها متاعبه على مشجب الانتظار إلى حين، فإن لعيد الفطر رائحته الخاصة مثلما للزهور شذاها، فهو مناسبة تأتي محمولة على كتف الزمن لترتمي في حضن الإنسان وتدعوه؛ لبعث السعادة والفرح وإشاعة البسمة على محيا الصغار والكبار، النساء والرجال، تدعوه ليستغلها في تغيير مزاجه، كما تدعوه إلى تأمل علاقاته مع محيطه ومع الآخرين. فالأعياد محطات تدريب على العفو والتسامح اللذين يجب أن يسودا سلوكا في كل الأوقات. ومن طبيعة الزمن أنه متحرك ومرتحل، ولهذا فإنه يمضي، ولكن مناسبات الأعياد التي يحملها تأبى الرحيل وترفض مغادرتك قبل أن تترك فيك بعضا من عبقها وتثير من حولك أريجها، وتدخلك مرغما في «حبس» تفاصيل يومياتها التي ستكون دفترا عابقا بالذكريات الجميلة تتصفح أوراقه كلما لامس قلبك حنين شفيف إلى الماضي وتفاعلات ناسه الطيبين مع معطيات واقعهم في مختلف مواقعهم. ولعيد الفطر مثل هذا الشذى وذلك الأريج الخاص الذي ينبعث في الأرجاء مثلما هو يفعل في هذا اليوم المبارك الذي يشع ألوانا من الأمل في عيون أبناء هذا الوطن. فها هو عيد الفطر يأتيكم مختالا جذلا يدعوكم للفرح، حاملا معه ولع الطفولة بالأشياء، وحب اللعب بها و.. تملكها أيضا. القول بأن العيد طفولة يوازي القول بأن الطفولة عيد، وهذا هو الصوت الأول من الذكرى التي تنجلي مع قدوم أحد العيدين الأهم في حياة المسلمين. باستطاعة الإنسان أن يستعيد طفولته في العيد، ويستعرض كل الصور والمواقف التي تسبق العيد وخصوصا تلك التي تتصل بالاستعدادات المبكرة له. وما كانت تلك الاستعدادات إلا جهدا يستقبله الأبوين بشغف، وتَسعَد له الأم، خصوصا، ببدء التصدي له بكرم وأريحية وتحمل تبعاته والتهيئة له والغوص في تفاصيله وجزئياته تحضيرا حتى تفيق على حقيقة أنها نسيت ذاتها من الانهماك في تحضير احتياجات أبنائها، مرورا بقبول الصبية بعد نوبة من البكاء لقرارات الآباء في اختياراتهم من اللباس الجديد لهم على عكس ما هو حاصل مع الأجيال الحالية التي تأبى حتى مرافقة الوالدين لهما في التسوق وتكتفي بإملاء مجموعة من احتياجاتها غير عابئة بكلفتها. بإمكان الإنسان أن يستعيد طفولته في العيد، ولكن هيهات أن يستعيد فرح العيد وهو قد غادر طفولته. وعطفا على إحساسي الشخصي يبقى العيد حالة من الحنين إلى الماضي ليس من اليقين الإمساك ببهجة لحظتها إذا لم تسارع إلى هتك أستار الماضي واستحضار طفولتك من خلف ظلاله. وإذا ما أنا سألت الطفل القابع في ذاكرتي عن حجم الفرحة بالعيد قبل خمسين عاما ومقارنتها مع ما في أعيادنا منها في هذه السنوات، فإن المقارنة ستكون في غير صالح أعياد السنوات الأخيرة، إذ إن مؤشرات الفرح لأعياد زماننا كانت تشير إلى حضور الطرب والغناء بوصفهما أكثر الفنون تجسيدا لحالات السعادة والحبور ليعبرا عن اللحظة لئلا تفلت من دون تسجيل لها في ذاكرة المحتفلين؟ هذا ما حملته لنا ثقافتنا الشعبية على امتداد فترة حضورها الاجتماعي، فكانت فنون ذلك الزمن معبرة عن المناسبات، ففي أيام الأعياد الوطنية والدينية على حد سواء تنتشر الفرق الفنية على اختلاف أنواعها، ويتشارك الناس الفرح من دون ما يفترضه البعض مجونا وسلوكا خارج سياق العادات والتقاليد، إن هو إلا من صميمها في شتى مناطق وطننا الجميل الخالي من الضغائن والكراهية التي لم تر النور إلا بعد أن وسع من دوائرها الدينيون المتعصبون والمذهبيون الذين يفترضون أن ما يعتقدون به هو الحقيقة الوحيدة والأزلية والمطلقة فذهبوا وفق حقيقتهم المتوهمة هذه بعيدا في قمع الحريات الشخصية عبر توسيع دائرة المحرمات والمكروهات. لقد كانت الفنون الشعبية مثل: العرضة «الرزيف» وبعض فنون الغوص والفرق النسائية الشعبية والليوة والطنبورة والمراداة التي ضيعها عدم الاهتمام بالتراث فباتت مفردة لا معنى لها بدءا من جيل السبعينيات فصعودا، هي التعبير الأمثل عن بحرين التسامح والتحابب والتراحم، وكانت هذه الروابط الوجدانية والفكرية والاجتماعية كلها مجسدة فيما كان يجري من طقوس ومراسم احتفالية لا تخلو البتة من الرقص والطرب والانتشاء دون حرج ولا خوف، على خلاف ما يجري من حديث حوله لجهة منعه ومن ثم تحريمه، ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر أن هناك أصواتا تتعالى من حين إلى آخر، ولسوف تظل نشازا في سيمفونية القدامة والحداثة البحرينية، لتفتي بوقف عادة «القرقاعون» هذه المناسبة التي ترسم البسمة على شفاه الأطفال وتضيف مناسبة أخرى تعمق التواصل الاجتماعي وتضفي عليه الفرح. تقام فعاليات الغناء والرقص التي ابتدعتها الذاكرة الجمعية على امتداد نهارات المناسبة الدينية أو الوطنية؛ لتكسر الروتين وتثري حياة الناس بمزيد من فرص البهجة، فضلا عن الحفلات الليلية التي يحييها المطربون البحرينيون والعرب، وبالرغم من ذلك فقد ارتحل آباؤنا إلى البارئ عز وجل بعد عطاء للوطن حافل بالمنجزات وهم ممتلئون إيمانا وخشوعا ووطنية. وبإمكان الإنسان أن يستطرد في استدعاء الذكريات ويفتش عن التفاصيل الجميلة التي غاب حضورها في المشهد الاجتماعي؛ لكن هذا لم يكن من محرضاتي على الكتابة في هذا الموضوع، إذ حسبي أن يكون محرضي هنا التوقف عند مساحة الفرح التي كنا ننعم بها رغم شظف عيش أبناء جيلي فنزولا، والتذكير بأن مساحة من الحرية كبيرة قد اقتلعت من المشهد الاجتماعي، وهي مرشحة إلى مزيد من التضييق والمصادرة أيضا إذا لم تحترم قوى الإسلام السياسي الدستور في كلية مضامين نصوصه، وميثاق حقوق الإنسان، وتدرك أن تاريخية المجتمع وحداثته وقوته مرتبطة بطرائق تعامله مع تقاليد الفرح فيه ومراسم إحياء النقوش الجميلة والدروس البديعة للذاكرة الجمعية فيه. فما أحوجنا الآن إلى أن نفرح ونتبادل التهاني لنضيء الأنوار في النفق المظلم الذي دلفناه عنوة، والعيد في هذه الأيام عبارة عن هدية من السماء جاء ليخرجنا من كبوة زمننا الأغبر وننهض فنمارس حياتنا الطبيعية المعتادة. ولعلني أنتهز الفرصة من خلال هذه المساحة لأقول فلنحافظ على ثقافتنا الشعبية من الاندثار، ونوسع من مطالباتنا بالحريات الشخصية والعامة التي كفلها الدستور. وكل عام وأنتم بخير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها