النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الخادمتــــــــــان

رابط مختصر
العدد 8184 الثلاثاء 6 سبتمبر 2011 الموافق 8 شوال 1432

كان لدينا في البيت خادمتان من جنسيتين مختلفتين، الأولى بيضاء والثانية سمراء، منذ أن وعيت على الحياة وأنا أشاهدهما منهمكتين في أعمال المنزل ومنشغلتين بتربيتي وتربية إخواني في صغرنا وتربية أبنائنا حين كبرنا، وكان أبي دائماً يقول بأنّ هاتين المرأتين ليستا خادمتين بل هما من أهل الدار. وحين مرّ أبي بأزمة مالية قبل عشرين سنة وافقتا أن تعملا في البيت لمدّة سنة كاملة دون أجر، قبل أن تجري مرّة ثانية تجارة أبي ويضاعف أجرهما في السنة التي تلتها. كانت الخادمتان منسجمتين غاية الانسجام في العمل والخدمة، ويكاد الناس يظنّون أنّهما شقيقتان لولا فارق الشكل واللون والطول أيضاً. وكانتا متفاهمتين في تنظيم شئون البيت والأسرة ويتقاسمان المسئوليات بمنتهى السهولة واليسر، وكان أهل الحيّ يحسدون أبي وأمّي عليهما وعلى استمرارهما في العمل في بيتنا الكبير طوال ثلاثين سنة دون حدوث أي مشكلة منهما تقضّ مضجع الأسرة الوادعة الهانئة، حتى أتت تلك الأيام المشئومة التي كدّرت فيها هذا الصفو وقلبت راحة البيت إلى ضيق وعناء. ففي ذات صباح وقفت الخادمة البيضاء وسط البيت وأعلنت أنّها تريد أن تُسند إليها مهمّة إدارة ميزانية البيت وتحديد مصاريفه لأنها كانت تظنّ أنّ أبي مبذّر ولا يعرف كيفية إدارة المال. فاستغرب أبي من سلوك الخادمة، واستاءت الأم، وحاول الأب أن يبيّن لها خطأ سلوكها وخطورة ما تطلبه ولكنّ الخادمة البيضاء أصرّت على موقفها وأعلنت أنّها لن تعمل في البيت ما دامت الميزانية في يد الأب ويديرها بالطريقة الحالية. وبعد مرور أسبوع على امتناع الخادمة البيضاء عن العمل قرّر الأب أن يعفيها من الخدمة وأن يعود بها إلى مكتب الخدم لكي تعمل في بيت غير بيته، ولكنّ أبناء إخواني وقفوا في صفّ الخادمة البيضاء وأعلنوا تأييدهم لها ودعوا أبي إلى الرضوخ لمطلبها ومنحها الميزانية كاملة وإلا سوف يعلنون تبرؤهم منه وتخلّيهم عن نسبتهم إليه. ولم يُعطِ أبي انضمام أبناء إخواني لصفّ الخادمة البيضاء الجدّية اللازمة واعتقد أنّ أمر إرجاع الخادمة لمكتب الخدم صار في متناول اليد، ولكنّ أبناء إخواني وقفوا صفّاً في وجه أبي ومنعوه من تحقيق ما كان يريد. حدثت القطيعة بين الخادمة البيضاء والخادمة السمراء بعد أن حاولت السمراء أن تنصح زميلتها وتعيدها إلى رشدها، وكذلك فعلتُ أنا وفعل إخواني وأمّي، ولكنها كانت تزداد إصراراً على رأيها وترى أنّ استمرار أبي في إدارة شئون البيت سوف تقوده إلى الهاوية. وحين شعر أبي بأنّ الموضوع أصبح جادّاً وبأنه لا يملك القدرة لإعادة الأمور لما كانت عليه في السابق دعا إلى اجتماع عام لكل ساكني البيت لمناقشة ما طرحته الخادمة البيضاء. لم يسفر الاجتماع العام إلا عن انقسام أكثر في البيت، خصوصاً بعد أن دعت الخادمة البيضاء أن يتمّ تقسيم البيت قسمين، فالطابق الأرضي يديره الأب بنصف الميزانية المقرّرة للبيت، وتتولّى هي إدارة الطابق الثاني. ووافق على ذلك أبناء أخي على الفور ودعوا أبي إلى تنفيذ مقترح الخادمة البيضاء، ولكنّ أبي لم يوافق على ذلك نهائياً. للمرّة الأخيرة حاولت الخادمة السمراء أن تنصح زميلتها البيضاء بأن تعود إلى رشدها وتتنازل عن مشروعها ولكنّها أبت إلا الاستمرار في مطالباتها حتى النهاية، واعتبرت أيّ شخص لا يوافقها الرأي خائن للبيت وواقف ضدّ صلاحه ومستقبله. أصبح أبي بين نارين، إما أن يستجيب لطلب الخادمة البيضاء ويفقد كرامته وهي أعزّ ما يملك، وإما أن يمضي قدماً فيما اعتزم عليه ويعيد الخادمة إلى مكتب الخدم وبذلك يخسر أحفاده إلى الأبد ربّما. ولم يكن في وسعه أن يختار لأنّ المشادّات قد اشتعلت بالفعل في البيت بين أنصار الخادمة البيضاء من أبناء إخواني وبين أنصار أبي، ووقع الجميع في المحظور وتحوّل البيت الذي كان يفيض سعادة وسروراً وغبطة إلى ساحة للمعارك والسباب والشتائم. الخادمة البيضاء أصبحت لا تخدم سوى أبناء إخواني، والخادمة السمراء صارت لا تخدم سواي وسوى إخواني، ورجعت أمّي بعد راحة استمرّت ثلاثين سنة لتخدم أبي وتلبّي احتياجاته، ولكنّ الألفة بين أهل البيت قد غابت، والضحكة رحلت إلى غير رجعة، وبدلاً من السفرة الواحدة التي تجمع الجميع أصبحت في البيت ثلاث تجمّعات للأكل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها