النسخة الورقية
العدد 11152 الإثنين 21 أكتوبر 2019 الموافق 21 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

أبعاد

إعادة قراءة التاريخ

رابط مختصر
العدد 8181 السبت 3 سبتمبر 2011 الموافق 5 شوال 1432

ما يُسمىَّ غربياً أو بالأدق التوصيف الاعلامي الغربي الذي أطلقه الغرب على المشهد العربي خلال الشهور الستة الأخيرة «الربيع العربي»، هذا التوصيف يطرح علينا بقوة قضية كبيرة عنوانها اعادة قراءة التاريخ بعيون اخرى ووعي آخر. حتى نفهم تفاصيل واعماق الحاضر لابد وان نفهم بدقة الماضي او التاريخ، وفهم التاريخ يعتمد على منهج واسلوب قراءتنا لهذا التاريخ، ويبدو من سياق الحاضر اننا كنا نقرأ التاريخ بعيون واحدة او على قاعدة الانحياز السياسي والعاطفي معطوفاً على حماسيات وانفعالات اللحظة الآنية واسقاطها على الماضي لتقديم شهادة نحن نريدها والتاريخ لا يقولها او اصدار احكام على تاريخنا نابعة من انحيازات سياسية وعقائدية خالصة بما يفقد هذه الاحكام موضوعيتها وعلميتها وحتى لا نظلم التاريخ. ثقافتنا ووعينا بتاريخنا ومنهج واسلوب قراءتنا لهذا التاريخ هي التي تصوغنا، وهي التي تكوننا وتبلور مواقفنا وتحددها من الحاضر، فنحن في النهاية نتيجة تاريخنا او بالتعبير العلمي الدقيق والصحيح نحن في النهاية نتيجة وعينا وفهمنا لتاريخنا، وهو ما تحدده وتصوغه في دواخلنا وفي اعمق اعماقنا طريقة قراءتنا لهذا التاريخ او منهج قراءتنا لهذا التاريخ. ولاشك ان قراءتنا العربية لتاريخنا قراءة انتقائية نختار فيها نختار وننتقي من تاريخنا ما يوافق مزاجنا وموقفنا السياسي والعقائدي والروحي وللاسف المذهبي بوجهٍ خاص، فنؤسس وتغرس في الوعي الجديد من حولنا قراءة للتاريخ من خارج تاريخنا فهي قراءات تؤلق او تصنع تاريخا آخر غير تاريخنا هو تاريخ الطائفة او تاريخ المذهب او تاريخ الجماعة وليس تاريخنا المشترك. وحتى الجماعة او الحزب او التنظيم او الفئة او الطائفة او النظام عندما تكتب التاريخ فهي تكتب تاريخها بشكل ملائكي مصفى ومطهر او طهراني يعتمد التبرير لا التحليل، فيأتي تاريخاً منزوع الدسم او تاريخاً مثالياً لم يصنعه ويشارك في صناعته بشر بل ملائكة لا يخطئون ولا ينحرفون. ويغدو تاريخنا المشترك تواريخ تتعارك وتتصادم بل وتشعل حروباً في الحاضر هي امتدادات لحروب الماضي وخلافاته، فنحن لا ننسى ونحن ننتقم من حاضرنا على خلفية تاريخ الفئة او الطائفة. ولذا نحن لا نستنهض ذاكرة التاريخ لكي نفهمه ونستوعب دروسه ونهضم تجاربه ولكننا نستنهض التاريخ لكي نتقوقع فيه ونختبئ داخله ونستل من مصطلحات الماضي ما يؤجج الحاضر او ما يتأثر لماضيه في حاضره او ينتقم من حاضره بناءً على موقفه من الماضي، ولذلك يستحضر مفردات الماضي والتاريخ ويسقطها على الحاضر، ولعل مفردة «المظلومية» تقدم لنا النموذج والمثال على اننا لا نقرأ التاريخ لنتعلم من دروسه وانما نقرأ التاريخ لنؤجج الحاضر ونشعله كوننا ما زلنا مختبئين داخله ومتغطين به. ولو أن الشعوب الأوروبية قرأت وفهمت تاريخها على خلفية حروبها كحرب المئة وحرب السبعين او على خلفية مذابح الكاثوليك للبروتستانت ومنها مذبحة بازتيلميو الشهيرة لما استطاعت ان توحد نسيجها الاوروبي الكبير ولما استطاعت ان تتقدم وان تقطع اشواطاً عظيمة في الكشف العلمي والبناء والتطور. فيما نحن هنا ما زلنا نقرأ ونفهم ونستحضر تاريخنا على خلفية موقعة الجمل وصفين ومذبحة كربلاء وكأنما القرون لم تغادر قرونها وكأنما ذو النورين عثمان بن عفان ما زال يقتل تقتيلاً على مصفحة الطاهر الشريف، وكأنما الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ما زال يذبح الى الآن بسيف ابن ملجم المسموم.. فهل نحن نقرأ التاريخ لنفهمه أم نقرأ التاريخ لننتقم من حاضرنا؟؟ اعادة قراءة التاريخ مطلوبة بإلحاح في كل جيل وفي كل حين لكن قراءة التاريخ لا تعني اسقاطه على الحاضر والانتقام من الحاضر لاهداف سياسية واجندات خاصة باسم التاريخ والتاريخ منها براء.. وكم من البشاعات ومن المذابح ومن حرب الاخوة الاعداء ارتكبت باسم التاريخ فيما هي انتقام من حاضر مختلف وفيما هي مشروع سياسي تلاعب بالعقول وتلاعب بالوجدان وتلاعب بعواطف البسطاء وزج بهم وقوداً باسم صفين او الجمل او باسم «مظلومية» منتزعة من سابق القرون.. انها الاجندات وانها المشاريع الخاصة تلعب بنا وتتلاعب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها