النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

أبعاد

التسامح فطرة البحرين

رابط مختصر
العدد 8180 الجمعة 2 سبتمبر 2011 الموافق 4 شوال 1432

عندما أسس جون لوك لفلسفة التسامح كان ينطلق وكان مدفوعا بوصفه مفكراً رائداً من رواد حركة التنوير من حاجة أوروبية آنذاك لتأصيل وتقعيد التعايش على قاعدة فكرية وثقافية ثابتة حتى لا تعصف بالمجتمع الأوروبي عواصف التمزق والتفتت والحروب الاهلية والطائفية، التي دفع ذلك المجتمع أكلافها وثمنا كبيرا لها من الضحايا والمشردين حتى توصل الى حكمة التسامح سلوكا وبلغ التعايش منهجا. وللاسف نتحدث هنا وتتحدث طبقتنا السياسية باستمرار عن التسامح بوصفه العفو عند المقدرة وبوصفه الصفح دون ان تدرك ان التسامح فلسفة وأسلوبا هو بمثابة شرط البقاء وشرط الحياة المستقرة المنتجة المعطاء الديناميكية القادرة على انجاز مهمامها وتطلعات مجتمعها، وهي تطلعات رخاء لا يمكن ان تتحقق بدون انتاج حقيقي متدفق على كل صعيد وفي كل مكان.. وهو الانتاج العام الذي يحتاج استقراراً اجتماعيا وطمأنينة وأمانا يفتح السيل للوصول الى مجتمع الرخاء والكفاية مجتمع يتحول الى ورشة نماء وتنمية يومية. نقع في التناقض الصارخ حين نطلب ان نكون كأوروبا في ديمقراطيتها وتعدديتها وتنوعها ونرفض ان نصافح جارا لنا اختلفنا معه لنثور وتنشب بيننا حرب معلنة ينقسم بسببها «الفريج» الواحد الى «فرجان» متنازعة ومشتعلة بعراك ويتمزق «الفريج» بسبب شعار من ليس معي فهو ضدي.. ثم نخطب فوق المنابر السياسية الحماسية عن تطلعنا لمجاراة ومساواة اعرق الديمقراطيات ونحن نخون ونؤثم ونجرم قطاعا واسعا من الشعب لأنه اختلف معنا في الرأي فيما نردد شعار الرأي والرأي الآخر. نحتاج التسامح رؤية وسلوكا كان لنا وكان للبحرين يوم عندما كنا ندخل فريج كانو والحطب والمشبر والفاضل فنجد انفسنا في مدينة أممية لا تكاد تقف فيها على مذهب او اثنية او طائفة او دين واحد وانما هي التلاوين الكثيرة المتعايشة في ظل فلسفة التسامح وثقافة التسامح التي فطرت البحرين عليها منذ بواكير تكوينها الاول، فامتلكت زهرة الخلود بحسب اسطورة جلجامش والخلود ليس بقاء وانما الخلود تعايش في البقاء تحت ظل شجرة التسامح التي للأسف جاء علينا حين من الزمن فقطعنا غصونها واوراقها ورحنا نحفر لاجتثاث جذورها واقتلاعها من الارض الأم.. فماذا سيبقى لنا حين نقتلع التسامح كما يريد الذين تقوقعوا داخل شرنقة الطائفة أو المذهب أو الاثنية المنغلقة فصار الآخر منبوذا ومطروداً. في العيد الذي نستقبل أيامه نقف نتأمل لحظتنا فيؤلمنا الشرخ ويوجعنا التباعد في البيت الواحد ونعود لنستحضر تلك المرحلة الاكثر روعة واكثر بهاء لأنها الاكثر تسامحا في وطن جبل على التسامح وعاش التسامح وتشرّبه حتى فاض علاقة أينعت علاقات تسامحية بلا حدود للتسامح على مستوى الوطن ومستوى علاقاته ومستوى ناسه وأفراده بشكل كنا نعتقد وكنا على يقين بأنه لن يأتي علينا يوم أو تمر بنا مرحلة مهما كانت كئيبة او سيئة لتفرق بيننا ولتنزع من وجداننا ومن ثقافتنا قيمة التسامح البحريني الذي كان مثالا وكان نموذجا وكان حياة يتشوق لها ابناء المنطقة. اجلسوا في العيد الى كباركم الى آبائكم واجدادكم وحركوا فيهم ذاكرة الزمن الجميل، ثم استمعوا منهم ألف حكاية وحكاية عن زمن التسامح وعن بحرين التسامح في البعد الفلسفي الفطري العميق في بساطته والاصيل في تجسده اليومي بين ابناء وبنات ذلك الزمن الذي طبعهم بطابعه الرائع. التسامح ليس فكرة نستوردها الى بحريننا ولكنه وعي وسلوك تلح علينا اللحظة الآنية الآن نستعيده تسامحا حضاريا فطريا يعيد للعيد ألقه وجمالياته. واذكر فيما اذكر من بقايا ذلك الزمن الأخضر ان العيد لم يكن عيدين ولم تكن التواريخ تختلف لأننا كنا صغارا من كل المذاهب والاديان والطوائف نحتفي بالمناسبة معا ونخرج معا ونلعب معا نضحك معا ونبكي معا ونسير معا نعود معا يدا بيد وقلبا بقلب وروحا بروح وتسامحا يسكننا في اعمق الاعماق ويظهر في انشودة نغنيها للوطن وباسم الوطن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها