النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

شعوب لا تريد أن تُولد

رابط مختصر
العدد 8177 الثلاثاء 30 اغسطس 2011 الموافق 30 رمضان 1432

حين يكون الطفل في بطن أمّه لا يدرك أبداً أنّ هناك عالماً أوسع من هذا البطن الموحش، ويحتاج لولادة عسيرة حتى يدرك أنّ العالم في بطن أمّه لا يقارن بالعالم الرحب خارجه. وهذا ما ينطبق تماماً على المرء الذي لا يدرك أنه يوجد عالم أوسع من بشت شيخ الدين وأطول من لحيته وأكثر رحابة من عمامته وأكثر امتداداً من شماغه، فهو يحتاج إلى عملية قيصرية ليخرج من وهمه هذا وليُدرك العالم الحقيقي بكلّ أبعاده. لو كان الأمر بيد الطفل لما فارق بطن أمّه إلى الأبد، ولو قُيِّض لنا أن نتّصل بالطفل وهو في بطن أمه وأن نقنعه بالخروج بملء إرادته إلى العالم الأرحب وأن نشرح له ما يحتويه العالم من فضاءات لن يجدها في بطن أمّه لأنكر كلّ ذلك، ولتشبّث بمشيمته حتى تتهتّك، ولتمسّك بأحشاء الأم حتى تتورّم لكي لا يخرج إلى العالم المجهول الذي يتصوّر أنّه أكثر ضيقاً من بطن أمّه وأشدّ ظلاماً ووحشة. ولقد قدّر الله أن يظلّ الطفل تسعة أشهر حتى يتمّ دفعه خارج البطن بالقوّة. تسعة أشهر هي فترة مكوث الطفل في بطن أمّه حتى يدفعه الرحم إلى عالمه الحقيقي، ولكن كم يحتاج المختبئ في عباءة الشيخ والمقيّد بسارية المسجد من الوقت حتى تحدث له الولادة الجديدة التي تقذف به للعالم الأوسع، وحتى يدرك أنّ عالم شيخه بالنسبة للعالم الحقيقي ليس سوى سجن، وأنّ السنوات التي يقضيها داخل عمامته «عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّ»؟ كم يحتاج من الوقت، وقد مضت القرون والقرون دون أن يقتنع بأنّ ولادته الجديدة ضرورية لكي ينطلق في رحاب الحياة ولكي لا يبدو كالأبله وسط الأمم الأخرى التي خرجت من بطن رجال الكنيسة منذ قرون وانطلقت حرّة. يبكي الطفل حينما يخرج من بطن أمّه خوفاً من أولئك المجتمعين حوله الذين أرادوا بالفرض أن ينقلوه من عالمه وسط أحشاء أمّه إلى العالم الواسع. يصرخ ويصرخ، ولكن عندما يجول ببصره وينظر إلى الفضاء الممتدّ أمامه، وإلى النور المشعشع والهواء النقيّ يصمت ويدرك كم أنه كان مخدوعاً بعالمه الصغير الذي كان يعيش فيه. وحين يسعى المخلّصون إلى تخليص الملتحقين بعباءة مشايخ الدين والماشين في ظلّهم دائماً من هذه التبعية المطلقة ويريدون لهم أن يتحرّروا من أوهامهم وأن يرشّوا وجوههم بالماء ليصحوا من نومهم المغناطيسي، فإنهم سيعدّون هؤلاء المخلّصين مجرمين يريدون أن ينزعوهم من عالمهم «المثالي» الذي حدوده عباءة الشيخ وسقفه عمامته ومداه شماغه الأحمر المضمّخ بالنشاء، لينقلوهم إلى عالم يتصوّرونه مخيفاً مرعباً مملوءاً بالعقارب والوحوش. إنّ هؤلاء كذلك الطفل على وشك المشي، الذي يعتمد على يد أمّه لكي يمشي، ولا تكون لديه الثقة في أن يمشي بدون يدها الممتدّة إليه للمساعدة، ويخشى دائماً أن يسقط إن تركها. ولكن الطفل يظلّ يوماً أو يومين وهو يتوهّم هذا الاحتياج حتى يكتسب الثقة ويمشي لوحده. أما أولئك الذين يعتقدون أنّهم لا يستطيعون المضيّ في حياتهم لوحدهم دون فتاوى الشيخ وأوامره ونواهيه وقراراته وإرشاداته، فهم يظلّون طوال سنوات حياتهم من غير أن تكون لديهم الثقة في أن يتّخذوا قراراتهم لوحدهم، ويظلّون في اعتقاد دائم بنقصهم وبعدم مقدرتهم على اختيار الطريق الأصوب، ويبقون طوال حياتهم تحت رهن إشارة الشيخ وفي انتظار ما يمليه عليهم حتى لو كان ذلك مضادّاً لقناعاتهم وللمنطق. لقد احتاجت الأمم الأخرى إلى قرون من المخاض حتى تحقّقت لهم الولادة الجديدة التي أخرجتهم من عباءة رجال الكنيسة المتسلّطين إلى رحاب العقل والحرّية والانطلاق، وكان المخاض مؤلماً وموجعاً، ولكن العالم الجديد الذي أفضى إليه هذا المخاض كان يستحقّ كلّ هذه المعاناة وهذا الصراع، ولم يعد هناك اتجاه للعودة إلى ما كانوا عليه يوم أن كان رجل الكنيسة يملك كلّ شيء في حياة الإنسان حتى مفاتيح الجنّة. لقد اختصرت هذه الولادة الجديدة السنوات للأمم المتقدّمة، وصاروا يتقدّمون في عام واحد ما لا تستطيع الأمم الأخرى تحقيقه في عشرات السنوات. فهل سننتظر مخاضاً يستمرّ قروناً حتى نؤمن بأنّ العالم الجديد، الذي لا يعيث فيه مشايخ الدين (المتسلّطون منهم) فساداً ولا يحددون معالمه ولا يتحكّمون فيه بمصائر الناس، هو العالم الأرحب الذي لابد أن ننشده حتى نحقّق التقدّم ونبني الحضارة ونصل إلى ما وصلت إليه الأمم المتقدّمة؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها